فأمّا أبو زيد فلم يستطع الاستواء ولا أطاق العذاب ، فصعق من حينه ، فقال تعالى :
ردّوا عليّ حبيبي ، فإنّه لا صبر له عنيّ ، فحجب بالشوق والمخاطبة ، وبقي الكفّار ، فنزلوا من العرش إلى الكرسي ، فبدت لهم القدمان ، فنزلوا عليهما في الثلث الباقي من ليلة هذه النشأة الجسميّة إلى سماء الدنيا النفسي ، فخاطبوا أهل الثقل الذين لا يقدرون على العروج : هل من داع فيستجاب له ؟ هل من تائب فيتاب عليه ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ حتّى ينصدع الفجر ، فإذا انصدع ظهر الروح العقلي النوري ، فرجعوا من حيث جاءوا .
قال صلّى اللّه عليه واله : من كان مواصلا فليواصل حتّى السحر ، فذلك أوان
بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ
فكلّ عبد لم يحذر مكر اللّه فهو مخدوع « 1 » .
وهكذا يذهب في هواجسه ويخبط في تشويه آيات الذكر الحكيم من غير مبالاة ، انظر كيف جعل القدح مدحا ، والذمّ ثناء ، وقلب ظهر المجنّ وهو يحسب أنّه يحسن صنعا ! .
وهكذا يرى من فرعون أنّه آمن عند الغرق ، فمضى طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث !
قال في الفصّ الموسوي : إنّ امرأة فرعون - وكانت منطقة بالنطق الإلهي - قالت لفرعون في حقّ موسى : إنّه
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
« 2 » فقرّة عينها بالكمال - حيث تكلّم الحقّ بلسانها - وكان قرّة عين فرعون بالإيمان الذي أعطاه اللّه له عند الغرق ، فقبضه طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث ! لأنّه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام ، والإسلام يجبّ ما قبله ، وجعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء ، حتّى لا ييأس أحد من رحمة اللّه . فلو كان فرعون ممّن ييأس ، ما بادر إلى
هامش
( 1 ) . انظر : الفتوحات المكية 1 : 115 - 117 .
( 2 ) . القصص 28 : 9 .