بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
« 1 » .
هذه الآية وآيات سبقتها جاءت لتعليم المسلمين جانبا خطيرا من أدب المعاشرة ، فلا يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وأن يفسحوا في المجالس ، وإذا قيل لهم : انشزوا ، فلينشزوا ، وأخيرا : إذا رغبوا في مساءلة الرسول فليقدّموا بين يدي نجواهم صدقة ، الأمر الذي تعرّضت له هذه الآية ، لكنّ إيجاب الصدقة نسخ بعد فترة قصيرة ، ولم يعمل بها سوى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فكانت مفخرة له وفضيلة سجّلها التاريخ .
تلك كانت قضيّة شخصيّة ووقتيّة محضة حسب ظاهر التنزيل ، وهل هناك في طيّها رسالة عامّة تشمل الأجيال والأعصار ؟
نعم ، يبدو من ظاهر الآية أنّه كان هناك تزاحم على الخلوة برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، ليتحدّث معه كلّ فرد في شأن يخصّه ، ليأخذ فيه توجيهه ورأيه ، أو ليستمع بالانفراد به ، مع عدم التقدير لمهامّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله الجماعيّة ، ومدى قيمة وقته ، وعدم الشعور بجدّيّة الخلوة به ، وأنّها لا تكون إلّا لأمر ذي بال . فشاء اللّه أن ينبّههم على هذه المعاني بتقرير ضريبة للجماعة - من مال الذي يريد أن يخلو برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، ويقتطع من وقته الذي هو من حقّ الجماعة - في صورة صدقة يقدّمها قبل أن يطلب المناجاة والخلوة .
فقد كانت الغاية التي تستهدفها الآية هي إفهام المؤمنين هذه المعاني ، فليلتزموا برعاية الأدب بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه واله ، فلا يزاحموه بكثرة التساؤل فيما لا شأن له في مهامّ الأمور .
هذا وقد تنبّه المسلمون بفرطهم في الأمر ، وتقصيرهم بحقّ الرسول - وهو الزعيم
هامش
( 1 ) . المجادلة 58 : 12 - 13 .