تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
من بهائي عند مشاهدتي ، فلا يبصرون سواي . ولهم عذاب عندي ، أردّهم بعد هذا المشهد السنيّ إلى إنذارك ، وأحجبهم عنّي كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قربا ، أنزلتك إلى من يكذّبك ويردّ ما جئت به إليه منّي في وجهك ، وتسمع في ما يضيق له صدرك ، فأين ذلك الشرح الذي شاهدته في إسرائك ! فهكذا أمنائي على خلقي الذين أخفيتهم رضاي عنهم ، فلا أسخط عليهم أبدا . ثمّ أخذ في تفصيل هذا البيان ، وقال : انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعدائه ، وذلك لما أبدع الأمناء من اسمه اللطيف ، وتجلّى لهم في اسمه الجميل فأخبوه ، والغيرة من صفات المحبّة في المحبوب والمحبّ ، فستروا محبّته غيرة منهم عليه ؛ كالشبلي وأمثاله . وسترهم بهذه الغيرة عن أن يعرفوا ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : ستروا ما بدا لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة ، فقال : لا بدّ أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي ، فتأهّبوا لذلك فما استعدّوا ، فأنذرتهم على ألسنة أنبيائي الرسل في ذلك العالم فما عرفوا ، لأنّهم في عين الجمع ، وخاطبهم من عين التفرقة ، وهم ما عرفوا عالم التفصيل فلم يستعدّوا ، وكان الحبّ قد استولى على قلوبهم سلطانه ؛ غيرة من الحقّ عليهم في ذلك الوقت ، فأخبر نبيّه بالسبب الذي أصمّهم على إجابة ما دعاهم إليه ، فقال :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
فلم يسعها غيره
وَعَلى سَمْعِهِمْ
فلا يسمعون سوى كلامه
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
من سناه إذ هو النور ، وبهائه إذ له الجلال والهيبة ، فأبقاهم غرقى في بحور اللذّات بمشاهدة الذات ، فقال لهم : لا بدّ لكم من عذاب عظيم ، فما فهموا ما العذاب ؛ لاتّحاد الصفة عندهم ، فأوجد لهم عالم الكون والفساد ، وحينئذ علّمهم جميع الأسماء ، وأنزلهم على العرش الرحمانيّ ، وفيه عذابهم ، وقد كانوا مخبوئين عنده في خزائن غيوبه ، فلمّا أبصرتهم الملائكة خرّت سجودا لهم ، فعلّموهم الأسماء .