وما هذه العلوم والمعارف ، والإمكانات والطاقات التي يملكها البشر ، ويزداد منها شيئا فشيئا عبر الأيام ، ما هي إلّا منح وودائع أودعها اللّه فيه « 1 » ، ليكون خليفته ، فسبحان من سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين .
وما هذه الاستعدادات والقابليات في بني الإنسان سوى منح اللّه ونعمه المفاضة عليهم ، لم يزل ولا يزال ، فهلّا يكون الإنسان عبدا شكورا ؟ ! وهلّا يتذاكر مع نفسه - كما تذاكر موسى عليه السّلام - فلا يجعلها عرضة رخيصة في سبيل مصالح أهل الإجرام المستكبرين في الأرض ، فيستثمروها في سبيل الفساد والإفساد واستضعاف العباد ؟ !
نعم ، هذه كانت رسالة الآية ؛ تذكارا لأهل الثروات العلمية والفنية ، فليشكروا ربّهم أولا على هذا الإفضال والإنعام ، ثم ليحذروا أن يجعلوها عرضة رخيصة في متناول أهل الفساد ، فإنّ الشكر على النعماء - شكرا عمليا - ليستدعي صرفها في مصالح العباد وعمارة البلاد ، بعيدا عن متناول أهل البغي والفساد .
الأمر الذي احتضنته الآية بجلاء ، والتي كانت رسالتها عبر البقاء .
وفي نفس الامتداد جاء قوله تعالى خطابا مع نبي الإسلام :
فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ
« 2 » .
ولعلّ من أبرز الآيات تخصيصا بمورد نزولها حسب الظروف المكتنفة لها حينذاك ، هي آية النجوى مع الرسول ، وإيجاب تقديم الصدقات ثمّ نسخها بالفور .
قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا
هامش
( 1 ) .إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُالأحزاب 33 : 72 .
( 2 ) . القصص 28 : 86 .