تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
كان قويّا بالغا رشده ، وقد آتاه اللّه حكما ( بصيرة نافذة يفصل بها بين السليم والزائف ) وعلما ( معرفة كاملة بحقائق الأمور وميزها عن السفاسف ) فقد وجد من نفسه مكتملا جامعا بين قوة البدن وقدرة العلم والإيمان
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
. وهكذا وجد موسى نفسه قويا مقتدرا حيث ما شاء اللّه ، فهبّ يشكر ربّه على وفور هذه النعم والآلاء ، فكانت صيغة الشكر بهذا النمط الجميل الرزين :
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
. وهذا تعهّد منه أن يبذل كلّ طاقاته في سبيل رضا مولاه ، محاذرا أن يقع شيء من طاقاته موضع أطماع أهل البغي والإجرام ، فيستغلوه في سبيل مصالحهم ، الإجرامية ، وفي سبيل الاستكبار . وفي هذه تذكار لأصحاب القدر العلميّة ، وليحذروا استرخاصها من قبل أهل المطامع ، فيستثمرونها لغايات هي وبال على العامّة ، وعلى عكس رضا اللّه تعالى ، وليعلموا أنّ ما لديهم من طاقات علميّة جبارة فإنّما هي نعم أنعم اللّه عليهم بفضله على الناس ، مصداقا لقوله تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . . .
« 1 » حيث أمكنه - وهو مثال الإنسانية مع الأبد - الاستطلاع على أسرار الطبيعة الكامنة ، وكشفها واستثمارها في سبيل عمارة الأرض
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
« 2 » ، وبذلك جعله خليفته في الأرض ، ينشئ ويبدع ويتصرّف في مناحي الأرض والسماء بما شاء
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) . البقرة 2 : 31 . ( 2 ) . هود 11 : 61 . ( 3 ) . الجاثية 45 : 13 .