النحو التالي : « أصل الوقوف على معاني القرآن التدبّر والتفكّر ، واعلم أنّه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة ، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة ، وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب ، أو في قلبه كبر أو هوى أو حبّ الدنيا ، أو يكون غير متحقّق الإيمان ، أو ضعيف التحقيق ، أو معتمدا على قول مفسّر ليس عنده إلّا علم الظاهر ، أو يكون راجعا إلى معقوله ( رأيه الخاصّ ) ، وهذه كلّها حجب وموانع ، وبعضها آكد من بعض » « 1 » .
لا شكّ بعد هذا كلّه أنّ تفرقة الخطاب الديني المعاصر بين التفسير والتأويل تفرقة صحيحة ، فإذا كان التأويل يعتمد على حركة ذهن المؤوّل في مواجهة النصّ ، أن لا يفتح ذلك الباب واسعا على مصراعيه للخلافات المؤدّية إلى الشقاق ، شقاق له جذوره في تعارض المصالح بين المستغلّين .
نعم ، ليس معنى ذلك أنّ التأويل الموضوعي للنصّ الديني أو الأدبي مطلبا عسير التحقيق كما تبالغ بعض اتجاهات فلسفة التأويل المعاصر ، فنفي الموضوعية في حقيقته تكريس للذاتيّة ، إنّ الموضوعيّة التي يمكن تحقيقها في تأويل النصوص موضوعيّة ثقافيّة مرهونة بالزمان والمكان ، وليست موضوعيّة مطلقة ، لا موضع لها إلّا على مسرح الوهم والخيال ، ومن إبداع أيديولوجيّة الغرب الاستعماري .
إنّ هذه الموضوعيّة الثقافيّة تتحقّق بتحرّي القارئ استخدام كلّ طرائق التحليل وأدواته لاكتشاف دلالة النصّ ، كما تحقّق من خلال استغراق المؤوّل في أعماق النصّ سعيا لسبر أغواره ، ولا على المؤوّل تثريب بعد ذلك أن تتطوّر أدوات التحليل وطرائقه في عصر تال ، وتكتشف في النصّ جوانب لم تكتشف قبل ذلك ، إنّ حركة النصّ في الزمان والمكان ليست إلّا حركة في واقع حيّ متطوّر ، واكتشاف دلالات جديدة للنصوص لا يعني إسقاط الدلالات التي كشفت قبل ذلك من هذه النصوص .
هامش
( 1 ) . البرهان للزركشي 2 : 180 - 181 .