نعم ، إنّ إخضاع القرآن للّغة التي مقياسها الوضع المحدود ، عقال له عن الانطلاق فيما وراء الغيوب ، وإغلاق لباب الفهم الذي مقياسه العقل الرشيد ، مدعما بإدراكات كان مجالها ما فوق العقل ، ألا وهو القلب الذي لا تحدّه الحدود ؛ لأنّه عرش استواء تجلّيات الربّ تعالى على مملكة الجسم ، كما جاء في الحديث القدسي : « لم تسعني سمائي ولا أرضي ، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » وهو القلب الذي اختصّه اللّه بالأسرار ، ويجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار .
سأل وابصة بن معبد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عن البرّ والإثم ؟ فقال : « يا وابصة ، استفت قلبك ، البرّ : ما اطمأنّت إليه النفس واطمأنّ إليه القلب ، والإثم : ما حاك في قلبك وتردّد في الصدر وإن أفتاك الناس » « 2 » .
فذلك القلب له لغته ، كما أنّ للوضع لغته ، وللعقل لغته ، فإذا كانت لغة الوضع تدرك بالألفاظ ، ويعبّر عنها بالكلمات ، فلغة القلب تدرك بالذوق والإشراق ، الأمر الذي لا يحيط بالتعبير عنه الألفاظ والعبارات ، بل بالرموز والإشارات .
على أنّ تلك الإشارات المعبّرة عن الواردات القلبيّة لها واقع مشروع أقرّه الحديث المأثور : « لكلّ آية ظهر وبطن ، وحدّ ومطلع »
إذن ، فأربابها متّبعون لا مبتدعون ، وقد اختصّهم اللّه بأسراره ، وأودعهم ملكوت أنواره ، ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى « 3 » .
وقال سعد الدين التفتازاني : « وأمّا ما يذهب إليه بعض المحقّقين من أنّ النصوص مصروفة على ظواهرها ، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار 55 : 39 .
( 2 ) . مسند أحمد 4 : 228 .
( 3 ) . راجع الموافقات 3 : 382 .