ومن ثمّ يصبح المدلول بالتأويل من مداليل الكلام ذاته مدلولا التزاميا وإن كان من القسم غير البيّن منه ، فلا بدّ أن يكون متناسبا له ؛ إذ لا دلالة للكلام على أجنبيّ منه إطلاقا ، وإنّما هو تحميل محض .
وبذلك كانت جلّ تأويلات الباطنيّة ومن على شاكلتهم من التفسير بالرأي محضا على ما سننبّه .
طريق الحصول على بطن الآية :
سبق أن نبّهنا أنّ في طيّ كلّ آية رسالة عامّة هي أوسع نطاقا من ظاهر التنزيل ، وهذا الفحوى العامّ هي رسالة الآية تحتضنها إلى الملأ ، والتي ضمنت للقرآن خلود آيها جمعاء مع الأبد ، أمّا كيف يمكن الحصول على هذا الفحوى العامّ ؟
نعم ، لا بدّ أن نلحظ مقارنات الآية وملابساتها حسب التنزيل « 1 » ، فما كان له دخل في صلب رسالتها أبقيناه ، وما كان على الحاشية ممّا لا دخل له في صميم الهدف أعفيناه ، وذلك على طريقة السبر والتقسيم المنطقي « 2 » .
مثلا : في آية السؤال من أهل الذكر نلحظ أنّها نزلت بشأن المشركين ؛ لمكان جهالتهم بأصول النبوّات ، لكنّ المشركين بما هم مشركون لا مدخل له في الأمر ،
هامش
( 1 ) . المعبّر عنها بأسباب النزول ، أي : الشرائط الزمنيّة التي استدعت نزول الآية .
( 2 ) . برهان السبر والتقسيم عبارة عن : لحاظ المحتملات الممكنة أو المفروضة بشأن الخصوصيّات المكتنفة للكلام ، ثمّ ينظر في واحد واحد منها ، فأيّها لا دخل له في الحكم ألغيناه ، وهكذا حتّى يبقى ما له دخل مباشر وبذلك يعرف أنّه العلّة الموجبة لثبوت الحكم ، ويستكشف ملاك الحكم الذاتيّ ، والذي أوجب ترتّبه على الموضوع ، فيكون هو الملاك العامّ الموجب لتسرّي الحكم من الموضوع المعنون إلى موارد أخر تشتمل على نفس الملاك . وهذه الطريقة يعبّر عنها في علم الأصول بتنقيح المناط الموجب لتسرّي الحكم .
ومن شرطه ليكون برهانا تامّا : أن تحصر المحتملات حصرا عقليّا من طريق القسمة الثنائية الدائرة بين النفي والإثبات ، وإلّا فيمكن أن تكون هناك محتملات أغفلناها فلا يوجب اليقين ، فتدبّر . راجع : أصول الفقه للمظفّر 2 : 189 باب 8 ، المنطق للمظفّر أيضا 1 : 111 و 2 : 132 .