تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
لأنّه ليس بكلام البشر ، وأنّه كلام خالق القوى والقدر . ثمّ أخذ في ترجيح هذا القول على الوجه الأوّل ، قال : « وهذا القول من القوّة والخلاقة بالقبول « 1 » بمنزل ، ولناصره على الأوّل أن يقول : إنّ القرآن إنّما نزل بلسان العرب ، مصبوبا في أساليبه واستعمالاتهم ، والعرب لم تتجاوز فيما سمّوا به مجموع اسمين ، ولم يسمّ أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة . والقول بأنّها أسماء السور حقيقة ، يخرج إلى ما ليس في لغة العرب ، ويؤدّي أيضا إلى صيرورة الاسم والمسمّى واحدا » . وعقّبه باعتراضات وأجوبة لا تخلو من طرافة « 2 » . قلت : وللّه درّه في نعته هذا الجميل لجانب إعجاز القرآن الكريم ، وهو كما قال الإمام أحمد بن المنير الإسكندري في الشرح : « غاية في الصناعة ، ونهاية في البراعة » « 3 » . الوجه الثالث : أن ترد السورة مصدّرة بذلك ، ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلّا بوجه من الإعراب ، وتقدمة من دلائل الإعجاز . وذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها ، كانت العرب فيه مستوية الأقدام ، الأمّيّون منهم وأهل الكتاب ، بخلاف النطق بأسامي الحروف ، فإنّه كان مختصّا بمن خطّ وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلّم منهم . وكان مستغربا مستبعدا من الأمّي التكلّم بها ، استبعاد الخطّ والتلاوة ، كما قال عزّ وجلّ :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
« 4 » . فكان حكم النطق بذلك - مع اشتهار أنّه لم يكن ممّن اقتبس شيئا من أهله - حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن ، التي لم تكن قريش ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها ، في أنّ ذلك حاصل له من جهة الوحي ، وشاهد بصحّة نبوّته ، وبمنزلة
هامش
( 1 ) . الخلاقة : الجدارة واللياقة . ( 2 ) . الكشاف 1 : 27 - 28 . ( 3 ) . المصدر : 27 ، في الهامش رقم 3 . ( 4 ) . العنكبوت 29 : 48 .
التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 185 | الشيخ محمد هادي معرفة