وقد أنكر أهل الكلام هذا الاعتقاد لو أريد به الجهل مطلقا ، حتّى على مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسائر أمناء الوحي ، إذ كيف يرد في الكتاب المبين ما يكاد يخفى على الخافقين ، وقد قال تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
؟ « 1 » .
وإن أريد به الحجب عن العامّة ، واختصاص علمه بأولياء اللّه المخلصين فهذا مردّه إلى القول التالي :
2 - إنّها رموز بين اللّه ورسوله ، لا يمسّه إلّا المطهّرون ، الأمناء على وحيه . قال أرباب القلوب : التخاطب بالحروف المفردة سنّة الأحباب في سنن المحابّ ، فهو سرّ الحبيب مع الحبيب ، بحيث لا يطّلع عليه الرقيب :
بين المحبّين سرّ ليس يفشيه * قول ولا قلم للخلق يحكيه
وقد روى السيد رضيّ الدين ابن طاوس عن « حقائق التفسير » لأبي عبد الرحمان محمّد بن الحسين السلمي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام قال :
« ألم ، رمز وإشارة بينه تعالى وبين حبيبه محمّد صلّى اللّه عليه واله ، أراد أن لا يطّلع عليه سواهما ، أخرجه بحروف بعّده عن درك الأغيار ، وظهر السرّ بينهما لا غير » « 2 » .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيّان في التفسير عن داود بن هند ، قال : كنت أسأل الشعبي عن فواتح السّور ، قال : « يا داود ، إنّ لكلّ كتاب سرّا ، وإنّ سرّ هذا القرآن فواتح السّور ، فدعها وسل عمّا بدا لك » « 3 » .
وقال الحجّة البلاغي : « ولا غرو أن يكون في القرآن ما هو محاورة رمزيّة بأسرار
هامش
( 1 ) . ص 38 : 29 .
( 2 ) . سعد السعود : 217 ، بحار الأنوار : 89 : 384 . والموجود في المطبوعة أخيرا : « وقيل : « ألم » سرّ الحقّ إلى حبيبه صلّى اللّه عليه واله ، ولا يعلم سرّ الحبيب . ألا تراه يقول : « لو تعلمون ما أعلم » أي : من حقائق سرّ الحقّ ، وهو الحروف المفردة في الكتاب » . ( تفسير السلمي 1 : 46 ) .
( 3 ) . الدرّ المنثور 1 : 59 .