وعليه ، فالألفاظ والعبارات هي بدورها خلو من أيّ معنى ، ولكنّها جاهزة لاستلهام ما يرد عليها من معاني !
وبمثل هذه السفسطة الفاضحة لهج بعض من شغفتهم فلسفة بني الأصفر ، زاعمين : أن ليست العبائر بالتي هي حبلى لتلد ، وإنّما هي غرثى تهفو إلى ما يغذّيها من معاني ، ليكون اللفظ فارغا يحتمل ما حمّله عليه المفسّرون ! وكان المفسّر هو الذي يقوم بإيحاء المعاني وشحنها في النصّ حسبما ما راقه من أهداف وأغراض « 1 » .
قلت : ولعمر الحقّ إنّهم في سكرتهم يعمهون ، كيف يتصوّرون من لافظ هو ناسج الكلام ، لا قصد له وراء لفظه ونسجه سوى الإدلاء بقوالب لفظيّة فارغة ، ليشحنها إيحاءات مستوردة ؟ !
وقد عرفت من كلام شليرماخر - الممهّد لسبيل الهرمنيوطيقا الغربيّ - تأكيده على فرض العلاقة قائمة بين المؤلّف والنصّ ، ليكون النصّ معبرا إلى ما يدور بخلد المؤلّف ذاته .
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل الكلام على الفؤاد دليلا
وأن لا دور للمفسّر سوى دور كاشف لمفهوم النصّ عن طريق فهم المؤلّف ذاته .
وأين هذا من القول بعزل المؤلّف عن أيّ علاقة بينه وبين مفهوم النصّ ، وإيكال الأمر إلى إيحاءات المفسّرين ؟ !
إن هذا إلّا كلام فارغ ، لا محصّل له ، ولا معنى معقولا .
الحاجة إلى التفسير :
نعم ، كانت الحاجة إلى التفسير من قبل : أنّ الوحي القرآني لمّا كان كتاب هداية
هامش
( 1 ) . هكذا يقول الدكتور عبد الكريم سروش : « عبارات نه آبستن ، كه گرسنه معانىاند » ، ويقول : « متن حقيقتا أمر مبهمى است وچندين معنا برمىتابد » . انظر قبض وبسط تئوريك شريعت : 287 - 288 و 394 وپلوراليزم ديني - كيان ش 40 : 17 .