تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
استخدام الجنّ لمعرفة الأمور المغيّبة ، فكان إذا ناب أحدهم أمر يريد معرفة دخيلته أو مستقبله منه ، ذهب إلى الكاهن أو العرّيف ليخبره بما يهمّه منه . وكان لكلّ كاهن صاحب من الجنّ - فيما زعموا - يحضر إليه فيخبره بما يريد ! والكهانة والعرافة ، لفظان لمفهوم واحد . وفرّق بعضهم بينهما بأنّ الكهانة علاج ما سيحدث من أمر خطير ، والعرافة علاج حادث راهن . وعلى كلّ حال فالمراد بهما التنبّؤ واستطلاع الغيب ، وكانت القبائل المتوحّشة تعتقد في الكهّان القدرة على كلّ شيء ، ويحيطون بهم هالة من القداسة الدينيّة ، باعتبارهم المراجع في مهامّ الأمور سواء المحسوس منها أم المغيّبات . فكانوا يستشيرونهم في حوائجهم ، ويتقاضون إليهم في خصوماتهم ، ويستطبّونهم في علاج أمراضهم ، ويستفشونهم فيما أشكل عليهم من مخارج الأمور ، كما كانوا يستفسرون منهم عن رؤاهم ، ويستنبئونهم عن المستقبل وما سيؤول إليه أمرهم في منطلق الزمان . وبالجملة ، فالكهّان عندهم هم أهل العلم والفلسفة ، والطبّ والقضاء والدين ، شأن جميع الطبقات من الأمم القديمة ، في كلّ أرجاء العالم القديم . كانوا يعتقدون في الكهنة العلم بكلّ شيء ، وأنّ ذلك يأتيهم بواسطة الأرواح ، إن خيّرة أو شرّيرة ، وكان عبدة الأصنام - وهي عادة متفشّية عند القبائل المتوحّشة - يعتقدون حلول الأرواح في الأصنام وأنّها تبيح أسرار الطبيعة للكهّان والسّدنة ، فتقول : إنّ الأصنام تدخلها الجنّ وتخاطب الكهّان ، وأنّ الكاهن يأتيه الجنّي بخبر السماء ، وربّما عبّروا عنه بالهاتف ( عند العرب ) ، فكلّ ما يصنعه الكاهن إنّما مصدره الغيب . فإذا استطبّه مريض من ألم أو صداع عالجه بالرقى ، وإذا استشاره في معضلة خطّ له في الرمل أو نفث في العقد ، وإذا تحاكمه متخاصمان رمى لهما بالقداح ، وإذا استطلعه شخص أخذ قمقما جعله بين يديه ونفث فيه ، ونحو ذلك من الحركات الوهميّة ، وإذا استفسره من رؤيا تمتم وتظاهر باستطلاع الغيب .