تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وعمدة الكلام : أنّ الكهّان كانت لهم لغة خاصّة ، تمتاز بتسجيع وترصيع وترصيف خاصّ ، يعرف بسجع الكهّان ، فيه من التعقيد والغموض الشيء الأوفر ، وهو بيت القصيد . ولعلّهم كانوا يتوخّون ذلك للتمويه على الناس بعبارات تحتمل غير وجه ، كما يفعل بعض مشايخ التنجيم في هذه الأيّام ، حتّى إذا لم يصدق تكهّنهم جعلوا السبب قصور الناس في فهم النصّ ؟ ! ومن أمثلة سجع الكهّان ما يروونه عن « طريفة » كاهنة اليمن ، حين خاف أهل مأرب سيل العرم ، وعليهم مزيقياء عمرو بن عامر ، فإنّها قالت لهم : « لا تؤمّوا مكة حتّى أقول ، وما علّمني ما أقول إلّا الحكم المحكّم ، ربّ جميع الأمم ، من عرب وعجم » . قالوا لها : ما شأنك يا طريفة ؟ ! قالت : « خذوا البعير الشذقم ، فخضّبوه بالدم ، تكن لكم أرض جرهم ، جيران بيته المحرّم » « 1 » . ومن أشهر كهّان العرب سطيح الغسّاني أكهن الناس ، فقد كان أنذر لسيل العرم . قيل من كهانته : تعبيره لرؤيا رآها كسرى فهالته ، وكتب إلى عامله بالحيرة أن يوجّه إليه رجلا من علمائهم من أصحاب العلم بالحدثان ، فبعث إليه عبد مسيح بن نفيلة الغسّاني فأخبره كسرى بالخبر ، فعجز عن الإجابة ، وعرض عليه أن يوجّهه إلى خاله سطيح بالشام فجهّزه ، وأتاه وكان محتضرا ، فأخبره برؤيا الملك كسرى ، فرفع سطيح رأسه وقال : أيا عبد المسيح ! على جمل مشيح ( أي سريع ) أقبل على طيح ، وقد وافى على الضريح ( أي القبر ، كناية عن قرب احتضاره ) . بعثك ملك ساسان ، لارتجاج الأيوان ، وخمود النيران ، ورؤيا المؤبذان : رأى إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، حتّى اقتحمت الواد وانتشرت في البلاد . أيا عبد المسيح ! إذا ظهرت التلاوة ( تلاوة نصّ الوحي أي القرآن ) وظهر صاحب
هامش
( 1 ) . الأغاني 13 : 110 ، وانظر تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 1 : 210 - 212 .