روى أبو الفتح الكراجكي ( ت 449 ه ) بالإسناد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال : « إنّ اللّه أنزل القرآن عليّ بكلام العرب ، والمتعارف من لغتها » « 1 » .
نعم كانت لدلالة الكلام مراتب متلاحقة ، فمن ظاهر سطحيّ فإلى باطن عمقي ، وعلى درجات . قال تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
« 2 » ، كلّ يغترف منه بقدر ما استعدّ له ، وأعدّ له من طاقات .
قال الراغب الأصبهاني : « القرآن وإن كان هداية للبريّة ، فإنّهم لن يتساووا في معرفته ، وإنّما يحيطون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم . . فالبلغاء تعرف من فصاحته ، والفقهاء من أحكامه ، والمتكلّمون من براهينه العقليّة ، وأهل الآثار من قصصه ، ما يجهله غير المختصّ بفنّه . وقد علم أنّ الإنسان بقدر ما يكتسب من قوّته في العلم ، تتزايد معرفته بغوامض معانيه » « 3 » .
قال الإمام الصادق عليه السّلام : « كتاب اللّه عزّ وجلّ على أربعة وجوه : على العبارة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق . فالعبارة للعوامّ ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء » « 4 » .
فالعبارة الظاهرة يفهمها عامّة الناس وعلى مختلف مستوياتهم ، فهما مقتصرا على ظاهر الكلام السطحي ، والإشارات توحي بدقائق المعاني ، حيث يتنبّه لها المتعمّقون ، أمّا اللطائف وظرائف التعبير فإنّما يلمسها أصحاب القرائح الوقّادة من ذوي النفوس الطاهرة
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 5 » . وتبقى حقائق شرائع الدين يتحمّلها أصحاب الرسالات إلى الملأ من كافّة الناس .
هامش
( 1 ) . كنز الفوائد : 285 - 286 ، بحار الأنوار 9 : 282 حديث 6 .
( 2 ) . الرعد 13 : 17 .
( 3 ) . مقدّمته في التفسير : 45 - 46 .
( 4 ) . بحار الأنوار 89 : 103 حديث 81 .
( 5 ) . الواقعة 56 : 79 .