تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
كما ويذهب شليرماخر إلى أنّ مهمّة المفسّر هو الوصول إلى فكرة المؤلّف ، والتي اختلج في باله وأدلى به عبر النصّ إلى القارئين ، ليكون دور الناقد والمفسّر دور الكاشف النابه ، والذي يسعى بكلّ جهده وراء العثور على حقيقة المراد من النصّ ، سعيا على أصول وقواعد تمهّد له سبيل الكشف . ومن أهمّ هذه القواعد هي معرفة الفضاء الذي عاشه المؤلّف ، والذي تجاوبت معه شخصيّته الثقافيّة والفكريّة ، حتّى يمكن النفاذ من خلال هذه الفرجة إلى ذهنيّة المؤلّف والأفكار التي كانت تخالج باله . فعليه أن يجتاز الفجوة التي بينه وبين المؤلّف ، ويجعل نفسه في مثل الظروف والشرائط التي اكتنفت المؤلّف في ظرفه الخاصّ ، ومن خلال ذلك المنظر فليشاهد العلاقة الرابطة بين المؤلّف والنصّ بوضوح . الأمر الذي اصطلح عليه « علم الأصول » بقرائن الأحوال ، وهي شواهد زمنيّة عاصرت صدور النصّ في ظرفه الخاصّ ، واصطلح عليه المفسّرون بمعرفة أسباب النزول ، ولولاها لما أمكن فهم كثير من آي القرآن المرتبطة بمناسبات ومؤاتيات كانت قيد التاريخ . وتوضيحا لهذا الجانب - وعلى ضوء قواعد علم الأصول - نقول : إنّ للألفاظ الموضوعة دلالة ذاتيّة يعيّنها الوضع اللغوي أو العرف الخاصّ ، فإذا قرع سمعك لفظ ، وأنت تعرف وضعه اللغوي أو ما تعارف عليه أهل العرف ، فإنّ المعنى الموضوع له يتبادر إلى ذهنك لا محالة ، ومع غضّ النظر عمّا يختلج ببال لافظه . ومثل هذه الدلالة الذاتيّة للألفاظ - بما أنّها دلالة لغويّة بحتة - لا تفي علاجا لمعرفة مراد المتكلّم ، مراده الجدّي ، ما لم ترفقها أصول « 1 » تنفي احتمال الخلاف ، وذلك حيث لا تكون هناك قرائن حاليّة أو مقاميّة توجب صرف الكلام عن ظاهره
هامش
( 1 ) . هي أصول وضوابط تكفّل بيانها مباحث حجّية الظهور في علم الأصول .