البدائي ، ومن ثمّ كانت معرفة الفضاء الذي صدر الكلام في ظلّه ضرورة لإمكان فهم النصّ فهما صحيحا ، ومستندا إلى ضوابط معرفة الكلام .
هذا ، ولا سيّما النصّ القرآني كانت له شاكلته الخاصّة ، هي شاكلة خطاب لا شاكلة كتاب « 1 » ، وأسلوب الخطاب يعتمد أحيانا وربّما أكثريا على شواهد الأحوال - وهي المناسبات التي استدعت صدور مثل هذا النصّ - ممّا يقضي بضرورة الوقوف عليها ؛ لإمكان فهم النصّ والبلوغ إلى مغزاه .
فالاكتفاء بمدلول النصّ اللغوي ، بعيدا عن ملاحظة شواهد الأحوال والمناسبات المعاصرة لنزول القرآن مجازفة خطيرة ، ربّما أدّت إلى التحميل على القرآن ، وكونه تفسيرا بالرأي .
لغة الوحي ومسألة قراءة النصّ :
هناك رابطة ذاتيّة بين معرفه لغة الوحي ومسألة تأويل النصّ . وهل كان هناك إجمال أو إبهام في لغة الوحي ليعتوره تداور وتدافع في فهمه ، أم كان هناك جلاء ووضوح في البيان ، كان يسهل تناوله ، ويسبر غوره لدى التدبّر والإمعان ؟ !
لا شكّ أنّ لغة الوحي لغة العرف العامّ :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 2 » ،
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
« 3 » ،
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
« 4 » ،
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
« 5 » .
هامش
( 1 ) . لكلّ من الشاكلتين مميّزاتها الخاصّة - تعرّضنا لها في مجال سابق - وكان من المميّزات الشاخصة لأسلوب الخطاب : الاعتماد على قرائن خارجيّة يعهدها المخاطب ، أمّا أسلوب الكتاب فيقضي بإرداف شواهد الدلائل مع النصّ ، وفي متناول القارئ أينما حلّ وارتحل عبر الأزمان .
( 2 ) . إبراهيم 14 : 4 .
( 3 ) . الدخان 44 : 58 .
( 4 ) . القمر 54 : 17 .
( 5 ) . الزمر 39 : 28 .