تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ولكنّه في هذه المحاولة لتجنّب « سوء الفهم » يطالب المفسّر - مهما كانت الهوّة التاريخيّة التي تفصل بينه وبين النصّ - أن يتباعد عن ذاته وعن أفقه التاريخيّ الراهن ؛ ليفهم النصّ فهما موضوعيّا تاريخيّا . إنّه يطالب المفسّر - أوّلا - أن يساوي نفسه بالمؤلّف ، وأن يحلّ مكانه عن طريق إعادة البناء الذاتي والموضوعي لتجربة المؤلّف من خلال النصّ . ورغم استحالة هذه المساواة من الوجهة المعرفيّة ، فإنّ شليرماخر يعتبرها الأساس الأصلي للفهم الصحيح . ومن ثمّ نغمة رومانسيّة تغلف كلاسيكيّة شليرماخر ، تتجلّى في اعتباره النصّ تعبيرا عن نفس المؤلّف ، وفي مطالبته المفسّر أن يكون ذا طاقة تنبّؤيّة ، إلى جانب معرفته باللغة ، حتّى يمكنه اكتشاف الجوانب المتعدّدة للنصّ . وبهذه الطاقة التنبّؤيّة يسعى الإنسان لفهم الكاتب إلى درجة أن يحوّل نفسه تماما إليه ، أي يكون هو الكاتب ! هذا هو المنهج الذي رسمه شليرماخر لإمكان فهم النصّ ، على ما أراده المؤلّف إرادة جدّ ، وراء دلالة النصّ الظاهريّة . وبذلك كان شليرماخر ممهّدا لمن جاء بعده ، خاصة « ويلثي » و « جادامر » . إذ بدأ ديلثي ممّا انتهى إليه شليرماخر من البحث عن تفسير وفهم صحيحين في مجال العلوم الإنسانية ، بينما بدأ جادامر من معضلة سوء الفهم المبدئي التي حاول شليرماخر - في تأويليّته - أن يتجنّبها . وبهذا يعدّ شليرماخر - بحقّ - أبا للهرمنيوطيقة الحديثة ، وللمفكّرين الذين جاءوا بعده ، سواء بدأوا من موضع الاتّفاق أم من موضع الاختلاف معه « 1 » . ويتلخّص الهرمنيوطيقا في أنّ لفهم النصّ عن طريق التأويل والاجتهاد ، في سبيل العثور على مغزاه والبلوغ إلى قصواه ، ضوابط وأصولا ينبغي مراعاتها ، ليكون الفهم صحيحا ومقبولا إلى حدّ ما .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق : 23 - 24 .