تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وينطلق شليرماخر لوضع قواعد الفهم من تصوّره لجانبي النصّ : اللغوي والنفسي يحتاج المفسّر للنفاذ إلى معنى النصّ إلى موهبتين : الموهبة اللغويّة ، والقدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشريّة ، وهل يوجد ثمّة قواعد لكيفيّة تحقيق ذلك « 1 » ؟ هناك إذن في أيّ نصّ جانبان : جانب موضوعيّ يشير إلى اللغة ، وهو المشترك الذي يجعل عمليّة الفهم ممكنة ، وجانب ذاتيّ يشير إلى فكر المؤلّف ، ويتجلّى في استخدامه الخاصّ للّغة . وهذان الجانبان يشيران إلى تجربة المؤلّف التي يسعى القارئ إلى إعادة بنائها ، بغية فهم المؤلّف أو فهم تجربته . هذان الجانبان - الموضوعي والذاتي ، أو اللغوي والنفسي - بفرعيهما التاريخي والتنبؤي « 2 » ، يمثّلان القواعد الأساسية ، والصيغة المحدّدة لفنّ التأويل عند « شليرماخر » ، وبدونهما لا يمكن تجنّب سوء الفهم . نعم ، إنّ مهمّة الهرمنيوطيقا هي فهم النصّ كما فهمه مؤلّفه ، بل حتّى أحسن ممّا فهمه مبدعة « 3 » . وبذلك حاول « شليرماخر » أن يجعل من الهرمنيوطيقا « فنّا » مستقلّا بذاته عن أيّ مجال . فإنّ كلاسيكيّته تتبدّى في حرصه على وضع قوانين ومعايير لعمليّة الفهم ، ومن ثمّ لعمليّة تفسير النصوص . إنّه يحاول أن يتجنّب « سوء الفهم المبدئي » في أيّ عمليّة تفسير .
هامش
( 1 ) . الأمر الذي أجاب عليها علماء الأصول إجابة إثباتيّة منذ أمد بعيد ، كما عرفت . ( 2 ) . حيث المفسّر قد يبدأ بالجانب اللغوي ويقوم بعمليّة إعادة بناء تاريخيّة للنصّ ، وهي تعتدّ بكيفيّة تصرّف النصّ في كلّية اللغة ، وتعتبر المعرفة المتضمّنة في النصّ نتاجا للّغة . ولهذه البداية جانب آخر ، وهو إعادة البناء التنبّؤي الموضوعي ، وهي تحدّد كيفيّة تطوير النصّ نفسه للّغة . وكذا البدء بالجانب الذاتي له جانبان : الأوّل هو إعادة البناء الذاتي التاريخي ، وهو يعتدّ بالنصّ باعتباره نتاجا للنفس . أمّا الجانب الآخر وهو الذاتي التنبّؤي فهو يحدّد كيف تؤثّر عمليّة الكتابة في أفكار المؤلّف الداخلية . ( المصدر السابق : 21 - 22 ) . ( 3 ) . وهو واضع اللغة ، أو العرف الذي تعارف استعمال النصّ .