فقد بدأت دراسة الفنّ عامّة ، والأدب خاصّة ، بتحليل العلاقة بين الإبداع والعالم الواقعي الذي نعيش فيه ، وانتهت على يد كلّ من أفلاطون وأرسطو - وحتّى العصر الحديث فيما عرف بالكلاسيكيّة - إلى تأكيد دور الواقع الخارجيّ على حساب الفنّان أو المبدع ، فيما عرف بنظريّة المحاكاة . وانتهت هذه النظريّة في تفسير العمل الفنّي والأدبي إلى محاولة البحث عن الدلالات الخارجيّة التي يشير إليها العمل ! واتّحدت هذه الدلالات الخارجيّة عند أفلاطون مع الحقيقة الفلسفيّة المتوارية وراء عالم الظواهر . . » « 1 » .
وهكذا جرى على منواله أصحاب الفكرة الكلاسيكيّة الحديثة التي يمثّلها المفكّر الألماني « شليرماخر » ( 1843 م ) في موقفه الكلاسيكي بالنسبة للهرمنيوطيقا . ويعود إليه الفضل في أنّه نقل المصطلح من دائرة الاستخدام اللاهوتي ، ليكون علما أو فنّا لعمليّة الفهم وشروطها في تحليل النصوص . وهكذا تباعد شليرماخر بالتأويليّة بشكل نهائي عن أن تكون في خدمة علم خاصّ ، ووصل بها إلى أن تكون علما بذاتها ، يؤسّس عمليّة الفهم ، وبالتالي عمليّة التفسير .
وتقوم تأويليّة « شليرماخر » على أساس : أنّ النصّ عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلّف إلى القارئ ، وبالتالي فهو يشير في جانبه اللغوي إلى اللغة بكاملها ، ويشير في جانبه النفسي إلى الفكر الذاتيّ لمبدعه . والعلاقة بين الجانبين - فيما يرى شليرماخر - علاقة جدليّة . وكلّما تقدّم النصّ في الزمن صار غامضا بالنسبة لنا ، وصرنا - من ثمّ - أقرب إلى سوء الفهم لا الفهم . وعلى ذلك لا بدّ من قيام « علم » أو « فنّ » يعصمنا من سوء الفهم ، ويجعلنا أقرب إلى الفهم « 2 » .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق : 17 - 18 .
( 2 ) . الأمر الذي جهد عليه علماء الأصول منذ عهد بعيد ، فوضعوا لفهم النصّ معايير ومقاييس يجمعها قواعد علم الأصول ( مباحث حجّية الظواهر ) على ما سننبّه .