تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وتتزايد المعضلة تعقيدا إذا تساءلنا عن علاقة ثلاثيّة ( المؤلّف - النصّ - الناقد ) بالواقع الذي تتمّ فيه عمليّتا الإبداع والتفسير . وتزداد حدّة التعقيد إذا كان النصّ ينتمي إلى زمن مغاير وواقع مختلف لزمن التفسير وواقعه ، أي إذا كان المؤلّف والناقد ينتميان إلى عصرين مختلفين ، وواقعين متمايزين « 1 » . غير أنّ هذا الإنكار لا يعود إلى محصّل ، بعد أن علمنا أنّ الألفاظ والكلمات هي أدوات آليّة ، يستخدمها المؤلّف لإبداء مقاصده حسبما تعارفه عرفه الخاصّ . وبذلك تبدو العلاقة القائمة بين المؤلّف والنصّ علاقة مباشرة ، نظير العلاقة القائمة بين العامل والأداة التي يستخدمها في إنجاز عمله ، فكلّ أثر تتركه الأداة ، إنّما هو أثر مباشر نشأ عن قصد العامل بالذات ، ولكن عبر الأداة . أمّا دور الناقد أو المفسّر فهو دور كاشف ، يسعى وراء الكشف عن قصد المؤلّف الذي أوفاه عبر النصّ ( الألفاظ والكلمات ) ، ولا شأن له في تفسير النصّ سوى ما عثر عليه من شواهد ودلائل تهديه إلى مدلول النصّ ، حسب الأوضاع والأحوال المكتنفة به حين الصدور محضا . وعليه ، فإنّ الناقد البصير إنّما يحاول أن يجعل نفسه في بحبوحة من تلك الشرائط والأحوال ، وليتمكّن من خلالها الغور إلى أعماق فكرة المؤلّف ، حسبما مهّدته له مناسباته الخاصّة وعرفه الخاصّ . يقول الأستاذ أبو زيد : « لقد حاولت نظريّة الأدب - في مسار تطوّرها التاريخي - أن تعالج جوانب مختلفة من هذه المعضلة ، وتوقّفت كلّ نظريّة - في إطار ظروفها التاريخيّة - عند جانب أو أكثر من هذه الجوانب ، مؤكّدة أهمّيته على حساب الجوانب الأخرى . . واستعراض سريع لهذه النظريّات يؤكّد أنّ جانب علاقة النصّ بالمفسّر ظلّ جانبا مهملا ، أو غائما في أحسن الأحوال . .
هامش
( 1 ) . أبو زيد ، إشكاليات القراءة وآليات التأويل : 15 - 17 .