وتفهمها الجماعة ، وإذا بالنوع الثاني يهدف إلى تأويل النصّ إلى ما يكون علاجا لقضايا راهنة ، وفي مختلف الظروف والشرائط والأحوال ، باعتبار أنّ النصّ صدر علاجا لمشكلة الإنسان في كلّ زمان ، ومن غير أن يكون محدودا بشرائط عصر النزول ، الأمر الذي يجعل من القرآن ذات رسالة خالدة ، ترافق الإنسان في مسيرته مع الأبد .
وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ التمايز بين الاتّجاهين - في الواقع العملي - لم يكن حاسما بمثل هذا الوضوح الذي تطرح به القضيّة على المستوى النظري ، فلم تخل كتب التفسير بالمأثور من بعض الاجتهادات التأويليّة ، حتّى عند المفسّرين القدماء « 1 » .
ومن جانب آخر لم تتجاهل كتب التفسير الاجتهادي المعتمد على التأويل وإعمال النظر ، لم تتجاهل الحقائق التاريخيّة واللغويّة ، وحتّى الأحاديث المرويّة المتّصلة بالنصّ .
وللمعضلة بعد : بعدها الميتافيزيقي ( صلة روحيّة مع مبدء الملكوت الأعلى ) الذي تنبّه له نبهاء المفسّرين من كلا الفريقين ، كيف الوصول إلى المعنى « الموضوعي » للنصّ القرآني
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 2 » . وهل في طاقة البشر بمحدوديّتهم ونقصهم الوصول إلى « القصد » الإلهي في كماله وإطلاقه ؟ !
ومن ثمّ شرطوا للفهم الأوفى للنصّ استعدادا ذاتيّا ، يحصل بمراوضة التقوى والعزم على الصلاح ، لتصقل النفس ، وتصفو عن الأكدار المانعة عن تجلّيات الروح ، والإفاضة عليها من عالم الملكوت .
هامش
( 1 ) . كان مجاهد أوّل من أعمل النظر في فهم الآيات إلى جنب روايته لأقوال السلف وآرائهم بالذات ، وقد توسّع ابن جرير الطبري في الجرح والتعديل ، والأخذ بالترجيح ، وإعمال النظر في أكثر من موضع من تفسيره الذي يعدّ من أكبر أمّهات كتب التفسير بالمأثور . راجع ما كتبناه بهذا الشأن في البحث عن التفسير والمفسّرين .
( 2 ) . الواقعة 56 : 77 - 79 .