أعمق جذورها ! فيا لها من روعة أغفلها أصحاب الجمود !
قال سيّد قطب : « وبهذه العبارات النديّة ، والصور الموحية ، يستجيش القرآن الكريم وجدان البرّ والرحمة في قلوب الأبناء . ذلك أنّ الحياة - وهي مندفعة في طريقها بالأحياء - توجّه اهتمامهم القويّ إلى الأمام ، إلى الذرّيّة ، إلى الناشئة الجديدة ، إلى الجيل المقبل ، وقلّما توجّه اهتمامهم إلى الوراء : إلى الأبوّة ، إلى الحياة المولّية ، إلى الجيل الذاهب !
ومن ثمّ تحتاج النبوّة إلى استجاشة وجدانها بقوّة ، لتنعطف إلى الخلف ، وتتلفت إلى الآباء والأمّهات . .
إنّ الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد ، إلى التضحية بكلّ شيء حتّى بالذات . وكما تمتصّ النابتة الخضراء كلّ غذاء في الحبّة فإذا هي فتات ، ويمتصّ الفرخ كلّ غذاء في البيضة فإذا هي قشر ؛ كذلك يمتصّ الأولاد كلّ رحيق وكلّ عافية وكلّ جهد وكلّ اهتمام من الوالدين ، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان !
فأمّا الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كلّه ، ويندفعون بدورهم إلى الأمام ، إلى الزوجات والذرّية . . وهكذا تندفع الحياة . .
ومن ثمّ لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء ، إنّما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوّة ، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كلّه حتّى أدركه الجفاف . . » « 1 » .
وقال الشريف الرضيّ في قوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
« 2 » : « هذه استعارة ، والمراد بها : ألن كنفك لهم ، ودم على لطفك بهم . . وجعل تعالى خفض الجناح هاهنا في مقابلة قول العرب إذا وصفوا الرجل بالحدّة عند الغضب : قد طار
هامش
( 1 ) . في ظلال القرآن 15 : 21 - 22 .
( 2 ) . الحجر 15 : 88 .