هذا ، وقد تهافت في كلامه تهافتا بيّنا ، ولا غرو فإنّه متفتّت الفكر ، مضطرب في حديثه .
وقوله : « وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع . . » إلى آخر كلامه ، قد أخذه أخذا بالنصّ من كلام الزمخشري « 1 » ، وكان قد عدّ مثل هذا التعبير كناية واستعارة للين الجانب ، قال في قوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » : « الطائر إذا أراد أن ينحطّ للوقوع ، كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحيه ، فجعل خفض الجناح مثلا للتواضع ولين الجانب ، ومنه قول بعضهم :
وأنت الشهير بخفض الجناح * فلا تك في رفعه أجدلا « 3 »
ينهاه عن التكبّر بعد التواضع . . » « 4 » .
نعم ، إنّه تشبيه بفرخ الطائر يتضرّع لأمّه وهي تغذّيه ، ضراعة المسترحم المحتاج إلى عناية والديه ، فيخفض لهما جناح التذلّل ، تذلّلا ناشئا عن الرحمة لهما ، وليس عن رهبة .
وفي ذلك تذكار عن الدور الطفوليّ الذي قضاه متذلّلا محتاجا إلى شفقة والديه ورحمتهما الخالصة ، فالآن فليقابل بالمثل أداء للشكر الواجب عليه .
وفي مثل هذا التصوير الرائع ، تجسّدت كلّ عناصر الرأفة والرحمة ، والتعاطف المتقابل بين الولد ووالديه ، فيا له من درس وأدب ، وتوثيق من أواصر الأسرة في
هامش
( 1 ) . انظر الكشّاف 2 : 658 .
( 2 ) . الشعراء 26 : 215 .
( 3 ) . قال أحمد منير في الهامش : شبّه بطائر يرقّ لأفراخه ويخفض إليها جناحه رحمة لها ؛ فاستعار خفض الجناح لذلك على سبيل التمثيل ، ورشّحه بقوله : « فلا تك في رفعه أجدلا » أي : شبيها بالأجدل ، وهو الصقر في القسوة والجفوة ، أو في التكبّر والترفّع . . قال : ويجوز أن يكون خفض الجناح كناية عمّا يلزمه من الرقّة والرحمة واللين ، ورفعه كناية عن القسوة والجفوة . . قال : وبين الخفض والرفع طباق التضادّ . .
( 4 ) . الكشّاف 3 : 340 - 341 .