تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
نعم ، من جهل شيئا كرهه ، والناس أعداء ما جهلوا . وأمّا ما ذكره ابن تيميّة من إنكار المجاز في اللغة ، وأنّ تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز بدعة حادثة ، ولم يتفوّه بها صاحب الشريعة ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان . . فلعلّه إنكار لضرورة ، ومجابهة لحقيقة واقعة ، لها جذور عريقة في أعماق اللغات جميعا . وهل المصطلحات الأدبيّة والعلميّة وغيرها - وهي مصطنعات بشريّة حسب حاجتهم في التفاهم الخاصّ - بحاجة إلى ورود ترخيص من الشرع ؟ ! وهل كان علماء الفلك والطبّ وسائر أنواع العلوم الطبيعية وكذا الفلسفيّة ، يرون من أنفسهم ضرورة الاستجازة من كبراء الدين ، في وضع مصطلحاتهم في مختلف الشؤون ؟ ! وهل كانت هناك ضرورة تدعو إلى ذلك ؟ ! وإذ كان المصطلح جديدا ، فإنّ المصطلح عنه قديم . نعم ، كانت التسمية حديثة ، غير أنّ المسمّيات عريقة في القدم . فمتى تستعمل اللفظ في الموضوع له ذاته ، نسمّيه حقيقة اصطلاحا ، وإذا استعمل في غيره لمشابهة أو لمناسبة قريبة ، سمّيناه مجازا واستعارة ، ولا مشاحّة في الاصطلاح . وأمّا أنّ الواضع هو اللّه عن طريقة الإلهام ، فإن أريد أنّه تعالى أودع في جبلّة الإنسان قدرته على الرمز بالأسماء للمسمّيات ، تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها رموزا تعبّر عن تلك الأشخاص والأشياء ، فهذا لا مشاحّة فيه ، ويعدّ من خصيصة الإنسان ذاته ، ومن ضرورة حياته الاجتماعيّة ، والتي دعته إلى وضع رموز تعبّر عن مقاصده ، حيث يحاول التفاهم عليها ، ولتبادل المقاصد في مآرب الحياة . وقد فسّر سيّد قطب تعليم الأسماء لآدم عليه السّلام بهذه الخصيصة الإنسانيّة التي خصّه اللّه بها ، لمساس حاجته في الحياة ، فمنحه القدرة عليها ، دون سائر المخلوقات . قال : « هذا هو السرّ الإلهي العظيم الذي أودعه اللّه هذا الكائن البشريّ ، وهو