ثمّ أخذ في تبيين موارد قيل فيها بالمجاز والاستعارة ، ولكنّها في نظره من الاستعمال في القدر المشترك ، الذي هو حقيقة في الجميع .
من ذلك قوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
« 1 » حسبوا أنّ اللباس هنا استعارة من لبس الثياب ، قال : « غير أنّ اللباس اسم عامّ لما يتلبّس بالشيء ويغشّيه ، سواء أكان من نوع الثياب أو غيره ، كما في قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً
« 2 » ،
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 3 » . . فالجوع والخوف يشمل ألمهما شراشر وجود الإنسان ، نفسه وبدنه وجميع أعضائه ، وهكذا الليل يغشّي بظلامه . .
والزوجان يختلطان فيغشّي بعضهما البعض . . فاللباس اسم لمّا يغشّي الشيء ويختلط به اختلاطا شاملا . . وهذا عامّ في كلّ هذه الموارد من قبيل الكلّي المتواطئ ، وإن شئت فقل : الكلّي المشكّك أحيانا » « 4 » .
ومنه أيضا في المشهور قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 5 » ، قالوا فيها بمجاز الحذف ، أي : اسأل أهلها ! لكنّ القرية اسم للحال والمحلّ معا ، فقد يطلق ويراد به المحلّ وهي الدور والمزارع ، وربّما يراد به السكّان ، كما هنا ، فلا مجاز « 6 » .
وبهذه الطريقة أنكر وجود المجاز في القرآن ، وزعم أنّه الأصل الذي جرى عليه الصحابة والتابعون ! قال : « وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل ، عن بيان الكتاب والسنّة ، واعتمدوا على رأيهم ، وعلى ما تأوّلوه بفهمهم . وهذه طريقة أهل البدع - وقد قال الإمام أحمد : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس - ولهذا تجد
هامش
( 1 ) . النحل 16 : 112 .
( 2 ) . النبأ 78 : 10 .
( 3 ) . البقرة 2 : 187 .
( 4 ) . تفسير القاسمي 1 : 148 .
( 5 ) . يوسف 12 : 82 .
( 6 ) . المصدر : 150 - 151 .