وأمّا أنّ القرآن لو خضع لأساليب كلام العرب الدارجة ، واختار أفضلها وأجزلها وأبلغها في الإيفاء والأداء ، لهبط إلى ما دون الإعجاز . . فلعلّه من أوهن المقال في هذا المقام ، فإنّ البراعة أن تفوق الناس وأنت منهم :
فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإنّ المسك بعض دم الغزال
وأمّا الذي ذكره الإمام الخميني قدّس سرّه فلا يعدو تجريد المفاهيم العامّة من الألفاظ الموضوعة لمعان خاصّة ، غير أنّ هذا التجريد لا يمسّ الواضع الأصل ، بل ولا خطر على باله ، وإلّا لوضع اللفظ بإزاء تلك المفاهيم ، كما في ألفاظ العموم .
نعم هذا التجريد هو من صنع الاستعمال ، تقوم به قريحة المتكلّم وبراعته في الكلام ، وهذا هو الذي اصطلح عليه السكّاكي بشأن الاستعارة ، فجرّد من معنى المشبّه به ( المستعار منه ) مفهوما عامّا يشمل المشبّه ( المستعار له ) ليدخل في جنسه ، وقد عبّر عنه السكّاكي بالحقيقة الإدّعائية ، الشاملة للمشبّه والمشبّه به جميعا . وربّما استدعى ذلك تناسي التشبيه ، فيكون من أبرع الكلام « 1 » .
وأمّا ما استند إليه ابن تيميّة ، وشايعه عليه تلميذه الوفيّ ابن قيّم الجوزيّة « 2 » والسلفيّون أتباعه ، وكان ممّن عاصرناه الشيخ محمّد أمين الشنقيطي ( ت 1393 ه ) كتب رسالة جمع فيها أقوال سلفه ، وشرح دلائلهم على أصول مذهب الظاهريّين ، وليس سوى تلخيص ما ذكره ابن تيميّة في رسالة الإيمان « 3 » ، فإليك من دلائله :
هامش
( 1 ) . راجع : مفتاح العلوم للسكّاكي : 174 . والتمهيد 5 : 385 .
( 2 ) . هو محمّد بن أبي بكر الحنبلي المتوفّى سنة 751 ه ، تفقّه على ابن تيميّة وكان معجبا به . ذكر صاحب الدرر الكامنة : أنّه غلب على ابن قيّم حبّ ابن تيميّة ، حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله ، بل يقتصر له في جميع ذلك . وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه . وكان له حظّ عند أمراء مصر ، واعتقل مع ابن تيميّة بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل ، مضروبا بالدرّة . فلمّا مات ابن تيميّة أفرج عنه ، وامتحن مرّة أخرى بسبب فتاوى ابن تيميّة .
( الكنى والألقاب للقمّي 1 : 393 ) .
( 3 ) . أورده القاسمي في تفسيره 1 : 136 - 157 .