الوجوب في شيء .
قال : « وحكم التمثيل « 1 » والاستعارة سواء ، فإنّك إذا قلت : أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر والتردّد ، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر ، فتقول : قد جعلت تتردّد في أمرك . فأنت كمن يقول : أخرج ولا أخرج ، فيقدّم رجلا ويؤخّر أخرى . . » « 2 » .
وهكذا استعارات القرآن فائقة الجمال ، بالغة الكمال ، لا غموض فيها ولا تعقيد في البيان ، لائحة المفاد ، واضحة المراد ، وهي إن دلّت فإنّما تدلّ على حقائق راهنة ، تحتضنها دقائق تعابير رائعة . فإن كان هناك تخييل أو تمثيل ، فإنّما هو في أساليب الأداء ، لا في المؤدّيات وهي أعيان ثابتة في عرصات الوجود .
انظر إلى هذا التعبير الرائع :
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
« 3 » .
هذا من أروع وأبدع أنواع الاستعارة التخييليّة ، حيث شبّهت جهنّم بذي جشع نهم ، رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد » « 4 » وهو من أدقّ التشبيه وأظرفه .
قال الزمخشري : « وسؤال جهنّم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته . . » .
قال : « وفيه معنيان ، أحدهما : أنّها تمتلئ مع اتّساعها وتباعد أطرافها ، حتّى
هامش
( 1 ) . التمثيل : التشبيه في صورة جمل ، كقولك : أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، تمثيل لمن كان يتردّد في أمر ، يفعله أو لا يفعله .
( 2 ) . دلائل الإعجاز : 48 و 50 .
( 3 ) . ق 50 : 30 .
( 4 ) . حسبما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في النهج : 92 خ 57 . ورحب البلعوم : أي واسعه ، ومندحق البطن : أي عظيم البطن بارزه ، كأنّه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين عنه . وأصل اندحق : بمعنى انزلق .