فيصحّ سلب المعنى الحقيقي للأسد - وهو الحيوان المفترس - عنه ، فيقال : ليس أسدا بذاك المعنى الأصل ، بل هو مشابه له في الجرأة والشجاعة « 1 » .
وهذا لا يعني : أنّ المعنيّ بهذا اللفظ أمر وهميّ خياليّ ، بل هو موجود ، ذات تشخّص عينيّ خارجيّ ، الأمر الذي هو حقيقة عينيّة في مصطلح الفلسفة .
فالقول بالمجاز لا يعني نفي الحقيقة العينيّة ، كما توهّمه هؤلاء ، وإنّما هو نفي للحقيقة بمصطلح علماء البيان خاصّا .
إذن فكلّ تعابير القرآن تنبؤك عن حقيقة واقعة لا ريب فيها ، هذا من غير فرق بين أساليب الأداء ، إن حقيقة أو مجازا ، أو كناية أو استعارة ، أو غيرها من أساليب الكلام البارعة ، فكلّها تنمّ عن حقائق الأعيان ، بعيدا عن الخيلان والأوهام .
فقول ابن عربيّ : إنّا ننفي أن يكون في القرآن مجاز ، بل في كلام العرب « 2 » . . إن أراد إثبات الحقيقة بمعناه الفلسفي ، فهذا أمر لا ينكر ، ولا منازع له ، وإن أراد الحقيقة بمعناها البلاغي ، أي المعنى الموضوع له الأصل ، فهذا شيء لا يعرف ولا مجال للالتزام به ، بل هو خلاف الوجدان والمرتكز في الأذهان . فقولة الشاعر :
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
استعارة تخييليّة ، حيث أضمر تشبيه المنيّة بالسبع الضاري ، ودليلا على هذا التشبيه المضمر أثبت للمشبّه ما يخصّ المشبّه به وهي الأظفار ، وهذا ما يسمّى عندهم بالترشيح .
ومن المعلوم بضرورة الوجدان أنّ المنيّة لا أظفار لها ، وجاء ذكرها رمزا إلى ذاك التشبيه المضمر في النفس .
هامش
( 1 ) . قال زهير :لدي أسد شاكي السلاح مقذّف * له لبد أظفاره لم تقلّم( 2 ) . الفتوحات المكّيّة 1 : 253 .