والقرآن ملؤه الاستعارة والكناية والمجاز ، وبحقّ تعدّ استعارات القرآن من أبدع وأبرع وأروع الاستعارات التي عرفته العرب .
قال ابن رشيق : « الاستعارة هي أفضل أنواع المجاز ، وأوّل أبواب البديع . وليس في حلى الشعر أعجب منها ، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها » « 1 » .
وهي من التوسّع في الكلام والتفنّن فيه ، مفيضا عليه ملامح الإدلال والاستدلال ، بما فيه من التشبيه والتخييل وروعة التمثيل .
وفي الاستعارة نوع من المبالغة القريبة ، فيها أناقة ولطف ، تقرّب المعنى وتوضّحه بما فيه من التشبيه والتمثيل ، وتكسوه جمالا وروعة ، بما فيه من التصوير والتخييل .
فكانت الاستعارة في الكلام أناقة في التصوير ، وإجادة في التعبير .
وقد حصر الشيخ عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة ، ودلائل إعجاز البيان ، في فنون التشبيه والتمثيل والاستعارة « 2 » .
قال : « قد أجمع الجميع على أنّ الكناية أبلغ من الإفصاح ، والتعريض أوقع من التصريح . وأنّ للاستعارة مزيّة وفضلا ، وأنّ المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة » .
قال : « وأمّا الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزيّة والفخامة ، أنّك إذا قلت : رأيت أسدا ، كنت قد تلطّفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة ، حتّى جعلتها كالشئ الذي يجب له الثبوت والحصول ، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده . وذلك أنّه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة ، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرّى عنها . وإذا صرّحت بالتشبيه فقلت : رأيت رجلا كالأسد ، كنت قد أثبتّها إثبات الشيء ، بترجّح « 3 » بين أن يكون وبين أن لا يكون ، ولم يكن من حديث
هامش
( 1 ) . العمدة لابن رشيق 1 : 268 باب 37 .
( 2 ) . فقد وضع كتابه « أسرار البلاغة » في ضروب التشبيه وأنواع الاستعارات فحسب .
( 3 ) . أي يتأرجح ويتذبذب .