وهكذا لفظة « النار » وضعت حينما وضعت ، وكان الملحوظ هي نيران الدنيا ، لكن لا خصوصيّة للدنيويّة في أصل اللحاظ . . ومن ثمّ يشمل نيران الآخرة ، نظرا في صميم اللحاظ العامّ .
إذن فإطلاق لفظة النور على نور الأنوار الخالص الصفاء ، أقرب إلى حقيقة الموضوع له من إطلاقه على الأنوار المتكدّرة . . حيث المعنى كلّما خلص من الشوائب والأكدار الأجانب كان إلى الحقيقة أقرب ، وإطلاق اللفظ عليه أولى .
بل يمكن القول بأنّ لفظة النور إذا كانت موضوعة للظاهر بذاته المظهر لغيره ، فإطلاقها على غير الذات المقدّسة وإن كان مجازا عند قاصري العقول . . لكنّه عند أرباب العقول الكبيرة المؤيّدة ، وأصحاب المعارف العالية ، حقيقة . . وهكذا جميع الألفاظ التي وضعت للمعاني الكماليّة ، والتي كان مورد صدقها الأتمّ هو ذات الجمال والكمال . .
وعليه فلفظتا « الرحمان » و « الرحيم » حيث وضعتا لمعنى كماليّ فائق . .
فإطلاقهما على الذات المقدّسة ، بنفس هذا اللحاظ ، حقيقة بلا ريب » « 1 » .
تلك دلائل أهل الكشف والشهود ؛ تبريرا لموقفهم في إنكار وجود المجاز في القرآن ! لكنّ الذي دعا بهم إلى هذا الرفض الباتّ هو زعم أنّ التجوّز في الكلام يستدعي نفي الحقيقة رأسا ، ليكون المجاز وهم تخييل ، الأمر الذي يتحاشاه كلام الحكيم .
لكنّه خلط بين مصطلحين في المعنيّ بالحقيقة ، التي هي عند أهل الفلسفة : هو الموجود في العين . . وعند علماء البيان : هو المعنى الأصل الموضوع له .
فقولهم في المجاز : إنّه يجوز سلب الحقيقة عنه ، يعني : سلب المعنى الموضوع له الأصل ، كما في قولنا : رأيت أسدا يرمي . . أي رجلا شهما شجاعا يرمي النبال ،
هامش
( 1 ) . آداب الصلاة : 248 - 250 .