تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
فالرحمان والرحيم يعنيان فعل الرحمة مع عباده ، وهكذا فرض المعتزلة ما يقرب من هذا المعنى بشأن جميع الصفات . وعليه ، فيكون إطلاق مثل هذه الأوصاف على ذاته المقدّسة إطلاقا مجازيّا . . الأمر الذي يستبعد على أيّ حال . . ولا سيّما في مثل صفة « الرحمان » ، حيث يستدعي ذلك أن يكون هناك مجاز بلا حقيقة . . إذ لا يصحّ إطلاق هذا الوصف على غيره تعالى ؛ نظرا لدلالته على سعة رحمة بحيث لا يمكن فرضها بشأن أحد سوى اللّه . . والفرض أنّ إطلاقه على اللّه أيضا مجاز . . فيلزم أن تكون هناك لفظة لا تستعمل إلّا مجازا . . فتدبّر جيّدا ! ! ولكن لأهل التحقيق هنا كلام قد يحلّ من المشكلة ، ذلك أنّهم قالوا : إنّ مثل هذه الألفاظ قد وضعت لمفاهيم عامّة وحقائق مطلقة ، نسبتها إلى جميع موارد استعمالاتها سواء . . حيث إنّها وضعت لروح المعاني ، وإنّما جاءت التقيّدات من قبل الاستعمال ، من غير أن تكون دخيلة في صميم الموضوع له . . فالتقيّد بالعطوفة والرقّة ، كان من نحت أذهان العامّة لهذه المفاهيم ، لا أنّها من ملاحظ الواضع في الموضوع له حين الوضع . وهذا قد يستبعد بالنظر إلى أنّ واضعي اللغات هم من أفراد العامّة ، ويبعد أن تتفرّغ أذهانهم من نحو التقيّدات الملحوظة لدى الاستعمال . . لأنّهم إنّما وضعوا الألفاظ للمألوف من المعاني ، لا المفاهيم المتجرّدة منها . نعم ، قد يكون كلام أهل التحقيق ناظرا إلى جانب عموم المفهوم ، الملحوظ عند الوضع ، بحيث يشمل المألوف وغير المألوف . مثلا : لفظة « النور » وضعت لما يشعّ ضياء ، سواء أكان في المحسوس أم في غير المحسوس ، حيث الجهة النوريّة كانت هي الملحوظة بالذات ، الأعمّ من كونها في صفاء خالص ، كالأنوار الملكوتيّة . . أو مشوبة بالأكدار ، كالأنوار المشهودة بهذا الحسّ القريب . . فالموضوع له هي النوريّة المحضة ، الشاملة لكلا النوعين .
التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء — صفحة 125 | الشيخ محمد هادي معرفة