قال ابن عربي : « الذي ينبغي من الكلام هو أن لا يقدّر فيه محذوف إلّا عند الحاجة إليه ولا بدّ ، لاختلال في المعنى بدونه . . وأن لا ينتقل في الكلمة من الحقيقة إلى المجاز إلّا بعد عدم إمكان حملها على الحقيقة » « 1 » .
قال : « وكلام العرب مبنيّ على الحقيقة والمجاز عند الناس وإن كنّا خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن ، فإنّا ننفي أن يكون في القرآن مجاز ، بل في كلام العرب « 2 » عند المحقّقين من أهل الكشف والشهود . وأمّا من حيث النظر والاعتبار فيجري مجرى العرب في كلامها من استعارات ومجاز ، بأدنى شبهة وأيسر صفة ، ففي القرآن من هذا القبيل كثير ؛ إذ القرآن نزل على لغة العرب ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « وإنّما أنزل القرآن بلساني لسان عربيّ مبين . . » قال : « وعلى هذا يفرّق بين التفسير على الحقيقة لأهل الكشف والشهود ، فلا مجاز عندهم ، وبين التفسير لأهل النظر والاعتبار بالأفكار ، فهو على مجرى لسان العرب ، فيكون فيه المجاز » « 3 » .
وقد راقت بعضهم روعة هذا الكلام - فيما حسبوا - وراحوا يحاولون إنكار وجود المجاز في القرآن . قال قائلهم : نعتقد أنّ جميع التعابير الواردة في القرآن تعابير حقيقيّة ، تعبّر عن معانيها الأصيلة ، لا تجوّز فيها ولا استعارة ولا تخييل « 4 » ؛ نظرا لأنّ القرآن نزل هداية للناس ، فيجب أن يكون ذا دلالة ظاهرة ، لا غموض فيها ولا تعقيد ذاك الغموض والتعقيد الذي يستدعيه المجاز والاستعارة . . » ثمّ أخذ يعدّد محاذير القول بوجود المجاز في القرآن .
منها : أنّ احتمال المجاز في القرآن يوجب سقوطه عن الحجّيّة ، حيث الإبهام في
هامش
( 1 ) . إعجاز البيان في الترجمة عن القرآن ، المطبوع بهامش ( رحمة من الرحمان ) لمحمود محمود الغرّاب 1 : 334 ذيل الآية : 222 من سورة البقرةيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ . ..
( 2 ) . راجع كلامه في الفتوحات المكّيّة 1 : 253 .
( 3 ) . رحمة من الرحمان 1 : 14 . وانظر علوم القرآن عند المفسّرين 1 : 1 .
( 4 ) . انظر تفسير روشن لحسن مصطفوي 2 : 8 .