تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥

[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 9 ]

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) الشرح :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
أي : القرآن أنزلناه عليك يا محمد ، وهو جواب لقولهم :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
فأخبر اللّه : أنه هو الذي أنزله على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
أي : حافظون للذكر من الزيادة فيه ، والنقص منه ، والتغيير ، والتبديل ، والتحريف ، فالقرآن العظيم محفوظ بحمد اللّه تعالى من هذه الأشياء كلها ، لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه ، أو ينقص منه حرفا واحدا ، وهذا مختص بالقرآن العظيم ، بخلاف سائر الكتب المنزلة ، فإنه قد دخل على بعضها التحريف ، والتزييف ، والزيادة والنقصان ، ولما تولى اللّه عز وجل حفظ هذا الكتاب بقي مصونا إلى الأبد ، محروسا من الزيادة والنقصان . انتهى خازن . وإنما سماه اللّه ذكرا ؛ لأن فيه مواعظ ، وتنبيها للغافلين . أقول : دخل سائر الكتب المنزلة التغيير ، والتبديل ، والتحريف بسبب إسناد حفظها للأحبار ، والرهبان ، كما قال تعالى :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
الآية رقم [ 47 ] من سورة ( المائدة ) ولو وكل اللّه تعالى حفظ هذا الكتاب لعلماء المسلمين ، لغيروا فيه ، وبدلوا ، فقد وجد ويوجد في كل عصر ، ومكان علماء فاسقون ، ضالون يزيفون الحقائق ، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا ، ولا يستبعد منهم أن يدعموا ضلالهم بآيات من القرآن الكريم كذبا ، وزورا ، وبهتانا ، وفجورا ، ولكن احتجاجهم ببعض الآيات باطل ، لا يخفى على من عنده معرفة ببعض أحكام هذا الدين ، وفهم لكتاب اللّه العزيز . هذا ؛ وقد قيل : إن الضمير في :
لَهُ
يعود إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ أي : وإنا لمحمّد لحافظون ممّن أراده بسوء ، فهو كقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
والقول الأول : أصح وأشهر ، وهو قول الأكثرين ؛ لأنه أشبه بظاهر التنزيل وردّ الكناية إلى أقرب مذكور أولى ، وهو الذكر . تنبيه : روى القرطبي في تفسيره ما يلي : قال يحيى بن أكثم : كان للمأمون مجلس نظر ( أي : مناظرة ومناقشة في جميع فنون العلم ) ، فدخل في جملة الناس رجل يهودي ، حسن الثوب ، حسن الوجه ، طيب الرائحة ، قال : فتكلم ، فأحسن الكلام والعبارة ، قال : فلما تقوض المجلس ، دعاه المأمون ، فقال له : إسرائيلي ؟ قال : نعم ، قال له : أسلم حتى أفعل بك وأصنع ( أي : من الإكرام ) ووعده ، فقال : ديني ودين آبائي ، وانصرف ، قال : فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما ، قال : فتكلم على الفقه ، فأحسن الكلام ، فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون ، وقال : ألست صاحبنا بالأمس ؟ قال له : بلى ! قال : فما كان سبب إسلامك ؟ قال : انصرفت من حضرتك ، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان ، وأنت تراني حسن الخط ، فعمدت إلى التوراة ، فكتبت ثلاث نسخ ، فزدت فيها ، ونقصت ، وأدخلتها « الكنيسة » ، فاشتريت مني ، وعمدت إلى الإنجيل ، فكتبت ثلاث نسخ ، فزدت