ذكرته في الآية رقم [ 35 ] من سورة ( يوسف ) عليه السّلام ، وجملة :
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ . . .
إلخ معطوفة على جملة :
أَقْسَمْتُمْ . . .
إلخ ، وأيضا جملة :
وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ
معطوفة عليها .
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 46 ]
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 )
الشرح :
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ :
لقد اختلف في الضمير إلى من يعود ، فقيل : يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم . وقيل : إن المراد بالضمير كفار قريش الذين مكروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة الهجرة . انظر الآية رقم [ 30 ] من سورة ( الأنفال ) .
وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ
أي : إن مكرهم مسجل عند اللّه ، ومعلوم لديه ، فهو يجازيهم عليه يوم القيامة ، بالإضافة لما جازاهم به في الدنيا .
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ . . .
إلخ : أي : ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند اللّه تعالى ، فالجبال مثل لأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : إن المعنى : وما كان مكرهم في تقديرهم لتزول منه الجبال عن أمكنتها ، وتؤثر في إبطال الإسلام . وهذا على اعتبار ( إن ) نافية ، واللام لام الجحود . وقرئ ( لَتزولُ منه الجبال ) بفتح اللام الأولى ، وضم الثانية ؛ أي : على الإثبات ، فيكون المعنى : كان مكرهم مكرا عظيما تزول منه الجبال عن مكانها ، ولكن اللّه حفظ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ودينه من مكرهم ، والجبال لا تزول ، ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون ، ولقد ذكر الخازن ، والقرطبي قصة هي أقرب إلى الخيال من الحقيقة . هذا وقرئ : ( وإن كاد مكرهم ) ، والمكر : تدبير الأمر في خفية ، وهو أيضا احتيال ، وخداع .
هذا وفي الآية استعارة تمثيلية : فقد شبه اللّه مكرهم في شدته ، وتفاقمه - لا سيما حينما انتهى أمرهم في ليلة الهجرة إلى المؤامرة الدنيئة المعروفة - بمحاولة إزالة الجبال من أماكنها ، وشبه شريعته الغراء ، وما أنزله على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من تعاليم سامية ، وحجج بينة بالجبال في رسوخها ، وتمكنها من نفوس المؤمنين بها المتعلقين بأهدابها ، وهي من أرقى الاستعارات ، وتزداد روعتها بأن صدور المكر المعد لإزالة الجبال صادر عن قوم لا حول لهم ، ولا قوة ، حيث شبه قلوبهم في خفتها ، وعدم تعلقها بالهواء . هذا ؛ وقد ذكر الثعلبي في قصص الأنبياء : أن الآية تقص علينا خبرا من أخبار النمرود وصرحه الذي بناه ، وهو شيء تفرد به ، ولم يذكره غيره .
الإعراب :
وَقَدْ :
الواو : واو الحال ، أو حرف استئناف . ( قد ) : حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال .
مَكَرُوا :
ماض مبني على الضم ، والواو فاعله ، والألف للتفريق .
مَكْرَهُمْ :
مفعول مطلق ، والهاء في محل جر بالإضافة ، من إضافة المصدر الميمي لفاعله ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في :
ظَلَمُوا
والرابط : الواو ، والضمير ، أو هي في محل نصب حال من الساكنين ، المفهوم من قوله تعالى :
وَسَكَنْتُمْ . . .