[ سورة طه ( 20 ) : آية 55 ]
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 )
الشرح :
مِنْها خَلَقْناكُمْ :
للعمل ، والثواب ،
وَفِيها نُعِيدُكُمْ
أي : للدود ، والتراب .
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ :
للجزاء ، والحساب . هذا ؛ وخلق بني آدم من الأرض إنما هو بخلق الأب من التراب ، وقد بينت ذلك ، وشرحته في الآية رقم [ 26 ] من سورة ( الحجر ) ، وهذا خلق غير مباشر . وقيل : كل نطفة مخلوقة من التراب وعلى هذا يدل ظاهر القرآن ، وروى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مولود إلّا وقد ذرّ عليه من تراب حفرته » . أخرجه أبو نعيم . وقال عطاء الخراساني : إذا وقعت النطفة في الرحم ؛ انطلق الملك الموكل بالرحم ، فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه ، فيذرّه على النطفة ، فيخلق اللّه النسمة من النطفة ، ومن التراب .
هذا ؛ وهناك خلق مباشر من الأرض ، وذلك إذا عرفنا : أن النطفة المادة التي يتخلق منها ابن آدم من الدم ، والدم مصدره من الغذاء ، والشراب ، وهما من الأرض بلا ريب ، ولا شك ، وقد أشار النسفي إلى هذا حيث قال : أو لأن النطفة من الأغذية ، وهي من الأرض . هذا ؛ وأراد بإخراجهم من الأرض : أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب ، ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر قال تعالى :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً .
هذا ؛ وقد قال الزمخشري : عدد اللّه على الخلق ما علق بالأرض من مرافقهم ؛ حيث جعلها لهم فراشا ، ومهادا يتقلبون عليها ، وسوى لهم فيها مسالك ، يترددون فيها كيف شاؤوا ، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم ، وعلوفات بهائمهم ، وهي أصلهم الذي منه تفرعوا ، وأمهم التي منها ولدوا ، ثم هي كفاتهم إذا ماتوا ، ومن ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تمسّحوا بالأرض فإنّها بكم برّة » . انتهى . هذا ؛ وخذ ما رواه ربيعة الجرشي - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« استقيموا ، ونعمّا إن استقمتم ، وحافظوا على الوضوء ، فإنّ خير أعمالكم الصلاة ، وتحفّظوا من الأرض ، فإنها أمّكم وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلّا وهي مخبرة به » . رواه الطبراني .
هذا ؛ وقد ورد بأن الأرض تضم كل إنسان يدفن فيها بعد موته ؛ لأنها أمه ، والأم من بني آدم تضم ولدها إذا كان غائبا ، وحضر ، ولكن ضمة الأرض للعبد المؤمن ضمة عطف ، ولطف ، وشفقة ، وحنان ، وضمها للكافر ، والفاجر ، والفاسق ضمة غضب ، وسخط ، وقسوة ، وإزعاج .
اللهم وفقنا للعمل بكتابك ، وللاهتداء بهدي نبيك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
الإعراب :
مِنْها :
متعلقان بما بعدهما .
خَلَقْناكُمْ :
فعل ، وفاعل ، ومفعول به ، والجملة الفعلية مستأنفة وهي من قول اللّه تعالى بلا ريب ، وهذا ممّا يقوي : أن الكلام :
فَأَخْرَجْنا . . .
إلخ هنا إنما هو من مقول اللّه تعالى ، وليس من مقول موسى عليه السّلام ، وجملة :
وَفِيها نُعِيدُكُمْ
معطوفة عليها ، وكذا جملة :
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ
معطوفة عليها ، وهو ظاهر .
تارَةً :
نائب مفعول