[ سورة مريم ( 19 ) : آية 62 ]
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 )
الشرح :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً
أي : في الجنة ، واللغو : هو الباطل من الكلام ، والذي لا ينتفع به ، ومنه قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رواه عنه أبو هريرة - رضي اللّه عنه - : « إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة ، والإمام يخطب : أنصت فقد لغوت » . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : اللغو : كل ما لم يكن فيه ذكر اللّه تعالى .
إِلَّا سَلاماً
أي : ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب ، والنقيصة . أو إلا تسليم الملائكة عليهم ، أو إلا تسليم بعضهم على بعض ( على الاستثناء المنقطع ) وما أحراك أن تنظر قوله تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
في الآية رقم [ 10 ] من سورة ( يونس ) عليه السّلام . وأيضا في الآية رقم [ 23 ] من سورة ( إبراهيم ) عليه السّلام . وانظر الآية رقم [ 24 ] من سورة ( الرعد ) . هذا ؛ وقيل : إن
سَلاماً
مستثنى من صفة ذم منفية ، فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قوله تعالى :
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
وقال النابغة الذبياني : [ الطويل ]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب
وَلَهُمْ
أي : للذين تابوا ، وآمنوا ، وعملوا الصالحات .
رِزْقُهُمْ
أي : ما يشتهون من المطاعم ، والمشارب .
بُكْرَةً وَعَشِيًّا :
قال أهل التفسير : ليس في الجنة ليل ، ولا نهار حتى يعرف به البكرة ، والعشي ، بل هم في نور أبدا ، ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار . كعادتهم في الدنيا . وقيل : إنّهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب ، وفتح الأبواب ، ووقت الليل بإرخاء الحجب ، وإغلاق الأبواب . ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ، والمهدوي ، وغيرهما . هذا ؛ والمراد : بذكر البكرة والعشي : دوام الرزق ، ودروره ، لا أنهم ممنوعون من الرزق في غير هذين الوقتين المقدرين في الجنة .
وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن ، وأبي قلابة قالا :
قال رجل : يا رسول اللّه ! هل في الجنة من ليل ؟ قال : وما هيّجك على هذا ؟ قال : سمعت اللّه تعالى يذكر في الكتاب :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
فقلت : الليل بين البكرة ، والعشي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس هناك ليل ، إنّما هو ضوء ونور ، يردّ الغدوّ على الرّواح ، والرواح على الغدوّ ، وتأتيهم طرف الهدايا من اللّه تعالى لمواقيت الصّلاة ، التي كانوا يصلون فيها في الدّنيا ، وتسلّم عليهم الملائكة » . وهذا في غاية البيان لمعنى الآية . انتهى . قرطبي بتصرف . هذا ؛ وانظر شرح « الغداة والعشي » في الآية رقم [ 28 ] من سورة ( الكهف ) .
الإعراب :
لا :
نافية .
يَسْمَعُونَ :
مضارع مرفوع . . . إلخ ، والواو فاعله .
فِيها :
متعلقان بما قبلهما .
لَغْواً :
مفعول به .
إِلَّا :
أداة استثناء .
سَلاماً :
مستثنى ب :
إِلَّا .