تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
أو صفة ظرف محذوف ؛ أي : إلا زمانا قليلا ، وجملة :
إِنْ لَبِثْتُمْ . . .
إلخ في محل نصب مفعول به للفعل ( تظنون ) المعلق عن العمل لفظا ، وجملة :
وَتَظُنُّونَ . . .
إلخ معطوفة على ما قبلها ، فهي في محل جر أيضا . هذا ؛ وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من واو الجماعة ، وقدر الكلام : « وأنتم تظنون . . . » إلخ ؛ لأن المضارع المثبت لا يقترن بالواو إذا وقع حالا .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 53 ]

وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) الشرح :
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ :
وذلك : أن المشركين كانوا يؤذون المسلمين ، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، يأمر بها المسلمين أن يقولوا للكافرين التي هي أحسن ؛ أي : لا يكافئوهم على سفههم ، بل يقولون لهم : يهديكم اللّه ، وكان هذا قبل الإذن بالقتال والجهاد . وقيل : نزلت في عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وذلك : أنه شتمه بعض الكفار ، فأمره اللّه بالعفو . وقيل : أمر اللّه تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصة بحسن الأدب ، وإلانة القول ، وخفض الجناح ، واطّراح نزغات الشيطان . انتهى . خازن ، وقرطبي بتصرف .
إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
أي : بالفساد ، وإلقاء العداوة ، والإغواء . هذا ؛ والنزغ ، والنخس ، والنسغ ، والنفر ، والهمز ، والوسوسة ألفاظ مترادفة ، وأصل النزغ : الفساد ، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السّلام :
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
أي : أفسد . فقد شبه سبحانه وتعالى وسوسة الشيطان ، وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء ؛ لتسير . هذا ؛ وانظر شرح
الشَّيْطانَ
في الاستعاذة أول سورة ( يوسف ) عليه السّلام ،
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً
أي : عدوا ظاهر العداوة . بعد هذا انظر شرح ( عبده ) في الآية رقم [ 1 ] و ( القول ) في الآية رقم [ 16 ] وشرح ( الإنسان ) في الآية رقم [ 11 ] وانظر إعلال ( مبين ) ومعناه في الآية رقم [ 1 ] من سورة ( الحجر ) . أما ( عدو ) فهو ضد الصديق ؛ وهو على فعول بمعنى : فاعل ، مثل : صبور ، وشكور ، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث ، إلا لفظا واحدا جاء نادرا . قالوا : هذه عدوة اللّه . قال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
وقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
والجمع : أعداء ، وأعاد ، وعدات ، وعدى . وقيل : أعاد ، جمع أعداء ، فيكون جمع الجمع ، وفي القاموس المحيط : والعدا بالضم والكسر اسم الجمع . وانظر شرح ( بين ) في الآية [ 45 ] هذا ؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية حيث شبه الإغراء على الفساد بالنزغ ، واستعير النزغ للإغراء ، ثم اشتق منه :
يَنْزَغُ .
واللّه أعلم ، وأجل ، وأكرم .