[ سورة النحل ( 16 ) : آية 70 ]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 )
الشرح :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
أي : أوجدكم من العدم ، وأخرجكم إلى الوجود ، ولم تكونوا شيئا .
ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
أي : يميتكم بقبض أرواحكم بآجال مختلفة ، صبيانا ، أو شبانا ، أو كهولا ، كما هو مشاهد لكل إنسان .
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
أي : أخسّه ، وأردئه ، وهو سن الهرم ، والشيخوخة الذي يشابه الطفولية في نقصان العقل ، وضعف الحواس .
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً :
فيصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان ، وسوء الفهم ، وضعف الحواس ، والعجز .
فعن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من العجز ، والكسل ، والجبن ، والهرم ، والبخل . وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات » . متفق عليه ، وفي حديث سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر » . الحديث أخرجه البخاري .
هذا - وقد قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ليس هذا في المسلمين ؛ لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند اللّه ، وعقلا ، ومعرفة . وقال عكرمة - رضي اللّه عنه - : من قرأ القرآن ؛ لم يردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئا . وقال ابن عباس في قوله تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
يريد الكافر ، ثم استثنى المؤمنين ، فقال تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
سورة ( التين ) . هذا ؛ وانظر نص الآية رقم [ 5 ] من سورة ( الحج ) .
أقول : فمن المشاهد أن هناك أناسا ردّوا إلى أرذل العمر ، وقد حفظ اللّه عليهم عقولهم وقواهم وحواسهم وتصرفاتهم ، وهم في الأغلب من أهل التقى والإيمان الذين حاسبوا أنفسهم على ما يعملون ، وراقبوا ربهم في كل ما يصنعون ، فلم تشغلهم الفانية عن الباقية ، بل امتثلوا ، أوامر اللّه في كل ما أمر ، وفي كل ما زجر عنه ، وتتبعوا خطوات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاهتدوا بهديه ، وساروا على نهجه ، واقتدوا بأعماله ، وتخلقوا بأخلاقه :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً .
الإعراب :
وَاللَّهُ :
الواو : حرف استئناف . ( اللّه ) : مبتدأ .
خَلَقَكُمْ :
ماض ، وفاعله يعود إلى ( اللّه ) ، والكاف مفعول به ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ ، والجملة الاسمية مستأنفة ، لا محل لها .
ثُمَّ :
حرف عطف .
يَتَوَفَّاكُمْ :
مضارع مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر ، والفاعل يعود إلى ( اللّه ) ، والكاف مفعول به ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ، فهي في محل رفع مثلها .
وَمِنْكُمْ مَنْ :
انظر إعراب
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ
في الآية رقم [ 36 ] ففيه الكفاية لذوي الدراية .
يُرَدُّ :
مضارع مبني للمجهول ، ونائب الفاعل يعود