اعتبار الجار والمجرور متعلقين بفعل محذوف ، أو على تعليقهما بالفعل نفسه ، وصفة للمبتدأ المقدر على وجه رأيته ، وصفة لمفعول محذوف على قول أبي البقاء .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [ 65 ] .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 68 ]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 )
الشرح : لمّا ذكر اللّه جلت قدرته عجائب صنعته الدالة على وحدانيته ، من : إخراجه اللبن ، من بين فرث ودم ، وإخراج السكر ، والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ؛ ذكر في هذه الآية ، ولاحقتها إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة ، هي النحلة . والخطاب في هذه الآية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يعم كل فرد من الناس ، ممن له عقل يستدل به على كمال قدرة اللّه ، ووحدانيته . وأصل الوحي : الإشارة السريعة ، والوحي : الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه مثل : موسى ، وعيسى ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعليهم أجمعين ، والوحي أيضا : الكتابة ، والرسالة ، والإلهام ، والكلام الخفي ، وكل ما ألقيته إلى غيرك ، وتسخير الطير لما خلق له إلهام ، والوحي إلى النحل ، وتسخيرها لما خلقها اللّه له إلهام أيضا ؛ حيث تبني بيوتها على شكل هندسيّ يعجز عنه العقل البشري ، ولها تنظيم في حياتها يدهش الألباب ، ومن اقتنى النحل ، ولاحظ تصرفاته ؛ أدرك : أن ذلك من تدبير العليم الحكيم ، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة ، الدالة على مزيد الذكاء والفطنة ، دلّ ذلك على الإلهام الإلهي ، فكان ذلك شبيها بالوحي ، فلذا قال جل ذكره :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ . . .
إلخ . انتهى . خازن بتصرف كبير .
قال الزجاج : يجوز أن يقال : سمي هذا الحيوان نحلا ؛ لأن اللّه تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها ، بمعنى : أعطاهم إياه . وقال غيره : النحل يذكر ، ويؤنث ، وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ، وكذا أنثها اللّه تعالى ، وكذا يؤنث كل جمع جنس ليس بينه وبين واحده إلا الهاء ، مثل تمر وتمرة ، ونعم ونعمة
أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ . . .
إلخ : وذلك أن النحل منه وحشي ، وهو الذي يسكن الجبال والشجر ، ويأوي إلى الكهوف ، ومنه أهلي ، وهو الذي يأوي إلى البيوت ، ويربيه الناس عندهم ، وقد جرت العادة أن الناس يبنون للنحل الأماكن التي تأوي إليها ، ولا سيما في هذا العصر حيث يربى النحل تربية فنية ، وذلك للمنافع التي تستفاد منه ، بعد هذا يقرأ
النَّحْلِ
بسكون الحاء ، وفتحها ، ويقرأ
يَعْرِشُونَ
بكسر الراء وضمها .
ولا تنس : أنه قد ورد النهي عن قتل النحل ، فعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل أربع من الدواب : « الهدهد ، والصّرد ، والنّملة ، والنّحلة » . أخرجه أبو داود ، وهذا إذا لم يكن واحد منهن مؤذيا ، وإلا فقتل المؤذي حلال ، كما سأذكره في سورة ( النّمل ) إن شاء اللّه تعالى .