تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
اضطر الواحد منهم إلى الزواج من قبيلة أخرى بمهر كبير جدا ؛ فكان الرجل منهم في الجاهلية ؛ إذا ولدت له بنت ، وأراد أن يستحييها ؛ تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبّة من صوف ، أو شعر ، وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية ، وإذا أراد أن يقتلها ؛ تركها حتى إذا صارت سداسيّة ، قال لأمّها زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، ويكون قد حفر لها حفرة في الصحراء ، فإذا بلغ بها تلك الحفرة ، قال لها : انظري إلى هذه البئر ، فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر ، ثم يهيل عليها التراب ، وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق الشاعر ؛ إذا أحس بشيء من ذلك ؛ وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك ، فقال الفرزدق يفتخر بذلك : [ المتقارب ]
وعمّي الّذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم يوأد
وجملة القول : أن العرب جميعا كانوا في الجاهلية يكرهون البنات ، ويتبرمون من الأخوات ، ويحزنون عند ولادة الأنثى ، ويعاملونها معاملة لا ترضي المولى ، وخطب إلى عقيل بن علّفة ابنته الجرباء ، فقال : [ الرجز ]
إني وإن سيق إليّ المهر * ألف وعبدان وخور عشر
أحبّ أصهاري إليّ القبر
الخور : جمع : خوارة ، وهي الناقة الغزيرة اللّبن . وقال عبد اللّه بن طاهر : [ الطويل ]
لكلّ أبي بنت يراعي شؤونها * ثلاثة أصهار إذا حمد الصّهر
فبعل يداريها ، وخدر يكنّها * وقبر يواريها وخيرهم القبر
فلما جاء الإسلام ؛ دفع عن البنت هذا الاستهتار ، وحماها من الاضطهاد ، ورفع لها الشأن ، والعماد ، ومنحها من الحقوق والواجبات ما لم تحلم به أنثى في ديانة من الديانات ، فحرّم وأدها ، وملكها ميراثها ، وأعطاها حق الإعراب عن رأيها ، وجعلها مسؤولة أمام اللّه عن عملها ، تثاب على عمل الخير ، وتعاقب على عمل الشر ، قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
الآية رقم [ 97 ] الآتية . بل ذهب الإسلام في رعاية البنت مذهبا فريدا ، وسلك في كفالة الأخت مسلكا عظيما ؛ حيث جعل لمن أنفق عليهنّ ، وقام بتربيتهن ، وصبر على رعايتهن حتى يمتن ، أو يتزوجن ثواب المجاهدين الصادقين وأجر الصائمين القائمين ، فعن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان له ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات ، أو بنتان ، أو أختان ، فأحسن صحبتهنّ ، واتّقى اللّه فيهنّ فله الجنة » . رواه الترمذي . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال :