تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 61 ]

وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) الشرح :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ
أي : بكفرهم ، ومعاصيهم ، وافترائهم عليه المفتريات ، فيعاجلهم بالعقوبة ، والهلاك .
ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ
أي : على الأرض ، فالضمير يعود إلى غير مذكور ، لكن دل عليه لفظ « الدابة » فإن « الدابة » لا تدب إلا على الأرض ، والمعنى المراد من
دَابَّةٍ
كافرة . وقيل : المعنى : أنه لو أهلك الآباء بكفرهم ؛ لانقطع النسل ، ولم توجد الأبناء ، فلم يبق على وجه الأرض أحد . هذا ؛ وقد قال اللّه في آخر سورة ( فاطر ) :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ،
وانظر الآية رقم [ 58 ] من سورة ( الكهف ) .
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ
أي : يمهلهم كرما ، وفضلا ، وحلما .
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى :
هو وقت انتهاء آجالهم ، وانقضاء أعمارهم .
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ :
يعني : إذا حل وقت عذابهم ، وهلاكهم .
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ :
يعني : فلا يمهلون ، ولا يؤخّرون قدر ساعة ، ولا أقل من ساعة ، فالسين زائدة بالفعلين كما هو واضح ، وإنما ذكرت الساعة ؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف ، وهذا يرد عليهم حين سألوا نزول العذاب ، فأخبرهم اللّه تعالى : أن لهم وقتا ، فإذا جاء ذلك الوقت ، وهو وقت إهلاكهم ؛ فلا يؤخرون عنه ، ولا يقدمون . هذا ؛ ويمكن أن يراد به أجل الموت لكل إنسان . هذا ؛ وكثيرا ما يطلق اسم الساعة على القيامة ، وإطلاقها على القيامة ؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة ، لا يعلمها إلا اللّه تبارك وتعالى . وقيل : سميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها ؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة ، أو أقل من ذلك . ولا تنس : أن ساعة كل إنسان ، وقيامته ، وقت مقدّمات الموت ، وما فيه من أهوال ؛ ولذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من مات ؛ فقد قامت قيامته » . وينبغي أن تعلم أن قوله تعالى :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ . . .
إلخ قد ذكر بحروفه في الأعراف رقم [ 34 ] ، وذكر بحروفه في سورة ( يونس ) على نبينا وعليه ألف صلاة ، وألف سلام برقم [ 49 ] ، ولم يقترن جواب ( إذا ) بالفاء في الأعراف وفي هذه السورة ؛ لتقدم الفاء عليها ، واقترن جوابها بالفاء في سورة ( يونس ) لعدم تقدم الفاء عليها . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . تنبيه : في الآية الكريمة بيان : أن اللّه لو عاجل المذنبين بالعقاب ؛ لأهلكهم ، وأهلك الناس جميعا معهم ، قال عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - وقرأ هذه الآية : لو آخذ اللّه الخلائق بذنوب المذنبين ؛ لأصاب العذاب جميع الخلائق حتى الجعلان في جحرها ، ولأمسك الأمطار من السماء ، والنبات من الأرض ، فمات الدواب ، ولكن اللّه يأخذ بالعفو ، والفضل ، كما قال :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
الآية رقم [ 30 ] من سورة ( الشورى ) ، فإن قيل : كيف يعم بالهلاك مع