[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 123 ]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 )
الشرح :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا . . .
إلخ : أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ؛ ليمكروا فيها ، جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ؛ ليمكروا فيها . هذا ؛ وقرئ : ( أكبر مجرميها ) وانظر الآية رقم [ 41 ] ( المائدة ) وتخصيص الأكابر بالذكر ؛ لأنهم أقوى على استتباع الناس ، والمكر بهم ، بما لهم من سلطة ، ومال ، وجاه ، وتلك سنة اللّه : أنه جعل أتباع الرسل ضعفاء أقوامهم ، وجعل فساقهم أكابرهم ، وإذا عرفنا : أن العلماء ورثة الأنبياء ؛ تجلت لنا هذه الحقيقة في كل زمان ، ومكان ؛ حيث نجد أصدقاء العلماء ، ومجالسيهم ، وملازميهم هم الفقراء ، والضعفاء ، بينما نجد الأغنياء ، وأصحاب الجاه الدنيوي بعيدين عنهم ، إلا من رحم ربك .
وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ
أي : إن وبال مكرهم يعود إليهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .
وَما يَشْعُرُونَ :
أن وبال ذلك المكر يعود عليهم ، ويضرهم . هذا ؛ و ( القرية ) في الأصل : اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم ، وهو يطلق على الضيعة الصغيرة ، وعلى المدينة الكبيرة ، كيف لا ، وقد جعل اللّه مكة المكرمة أم القرى ، كما رأيت في الآية رقم [ 92 ] . هذا ؛ وفي القاموس المحيط : القرية بكسر القاف ، وفتحها ، والنسبة إليها قروي ، وقريي . والمكر : الكيد ، والخداع ، وتدبير الضر ، والشر للناس في الخفاء كالذي حصل من زعماء مكة مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
بِأَنْفُسِهِمْ :
انظر الآية رقم [ 9 / 7 ] .
يَشْعُرُونَ :
الشعور : هو إدراك الشيء من وجه يدق ، ويخفى ، مشتق من الشعر لدقته ، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ، ودقة معرفته ، والمعنى : وما يشعرون : أن وبال مكرهم راجع على أنفسهم ، وأنهم سيحاسبون عليه يوم القيامة حسابا عسيرا .
الإعراب : ( كذلك ) : متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا ، أي :
جعلنا في مكة فساقا ، ومجرمين جعلا مثل جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب ، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [ 55 ] .
جَعَلْنا :
فعل ، وفاعل ، وانظر إعراب :
حَلَلْتُمْ
في الآية رقم [ 2 ] ( المائدة )
فِي كُلِّ :
متعلقان بالفعل قبلهما ، و
كُلِّ
مضاف ، و
قَرْيَةٍ :
مضاف إليه .
أَكابِرَ :
مفعول به ثان مقدم .
مُجْرِمِيها :
مفعول به أول مؤخر منصوب ، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنه جمع مذكر سالم ، وحذفت النون للإضافة ، وها : ضمير متصل في محل جر بالإضافة . هذا ؛ وجوز اعتبار :
فِي كُلِّ
مفعولا أولا ، و
أَكابِرَ
مفعولا ثانيا ، و
مُجْرِمِيها
بدلا من :
أَكابِرَ ،
كما جوز أن يكون :
أَكابِرَ :
مضافا ، و
مُجْرِمِيها :
مضافا إليه ، إن فسر الجعل بالتمكين ، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد ، والمطابقة ، ولذلك قرئ : ( أكبر مجرميها ) . انتهى . بيضاوي . هذا ؛ وقد