تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
الثالث : أن ( ما ) حرف نفي ، يعني : أنه نفى شعورهم بذلك ، وعلى هذا فليطلب ل :
يُشْعِرُكُمْ
فاعل ، فقيل : هو ضمير اللّه تعالى ، أضمر للدلالة عليه . انتهى . وهذا كلام مستأنف من جهته تعالى لبيان الحكمة الداعية إلى ما أشعر به الجواب السابق ، من عدم مجيء الآيات ، خوطب به المسلمون فقط ، أو مع النبي انتهى جمل نقلا عن السمين ، وعن أبي السعود . أقول : وعلى قراءة فتح الهمزة تؤول مع مدخولها بمصدر ، وهذا المصدر في محل جر بحرف جر محذوف . قال ابن هشام : وقال قوم : ( أنّ ) مؤكدة ، والكلام فيمن حكم بكفرهم ، ويئس من إيمانهم ، والآية عذر للمؤمنين ؛ أي : أنكم معذورون ؛ لأنكم لا تعلمون ما سبق به القضاء من أنهم لا يؤمنون حينئذ . وقيل : التقدير : لأنهم ، واللام متعلقة بمحذوف ، أي : لأنهم لا يؤمنون امتنعنا من الإتيان بها ، ونظيره قوله تعالى :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ .
واختاره الفارسي . واعلم أن مفعول :
يُشْعِرُكُمْ
الثاني على هذا القول ، وعلى القول بأنها بمعنى : « لعل » محذوف ، أي : إيمانهم . وعلى بقية الأقوال ( أنّ ) وصلتها . انتهى مغنى بتصرف . وقد أطلت عليك الكلام حبّا في الإفادة . تأمل ، وربك أعلم .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 110 ]

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) الشرح :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ :
قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : يعني : ونحول بينهم وبين الإيمان . إذ التقليب تحويل الشيء ، وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر ؛ لأن اللّه تعالى إذا صرف القلوب ، والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر . وانظر الآية رقم [ 144 / 2 ] . هذا ؛ والأفئدة هي القلوب .
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ :
والمعنى : يصرفون عن التوحيد ، والإيمان ، كما صرفوا عن التصديق بالآيات التي رأوها أولا مثل انشقاق القمر ونحوه . إذا المراد بالآيات : المعجزات التي اقترحوها على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَنَذَرُهُمْ :
نتركهم . وانظر الآية رقم [ 70 / 7 ] .
طُغْيانِهِمْ :
الطغيان : تجاوز الحد ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ .
يَعْمَهُونَ :
يتحيرون ، ويترددون ، والعمة : التحير ، والتردد ، وهو قريب من العمى ، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين ، وعلى الخطأ في الرأي ، والعمة لا يطلق إلا على الثاني . وانظر ( نا ) في الآية رقم [ 32 / 5 ] واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه . الإعراب : ( نقلب ) : مضارع ، والفاعل تقديره : « نحن » ، ويقرأ بياء المضارعة فيكون تقدير الفاعل هو يعود إلى ( اللّه ) ، ويقرأ بتاء المضارع المضمومة على أنه مبني للمجهول ، ورفع
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 370 | الشيخ محمد علي طه الدرة