تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
فاسقون . أو المصدر في محل رفع مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : وفسقكم ثابت معلوم عندكم ، ولكن حبّ الرياسة ، والمال يمنعكم من الإنصاف . انتهى بيضاوي . أقول : المعتمد الوجهان الأولان ، والبواقي يظهر فيها التعسّف ، والتكلّف . تأمل ، وتدبّر ، وربك أعلم .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 60 ]

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) الشرح :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ :
هذا جواب لليهود لمّا قالوا : ما نعرف دينا شرّا من دينكم . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود ؛ الّذين قالوا هذه المقالة : هل أخبركم بشرّ من ذلك الذي ذكرتم ، ونقمتم علينا من إيماننا باللّه ، وبما أنزل علينا ؟ والخطاب موجّه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وانظر شرح ( شر ) في الآية [ 170 ] من سورة ( النساء ) .
مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ :
جزاء ثابتا عند اللّه ، والمثوبة مختصّة بالخير كالعقوبة مختصّة بالشرّ ، فوضعت هنا موضعها تهكما على حدّ قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . *
هذا ؛ وأصلها : مثووبة على وزن مفعولة ، فنقلت حركة الواو الأولى إلى الثاء ؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة ، فحذفت إحدى الواوين لالتقائهما ساكنتين . ومثله مقولة ، ومجوزة ، ومضوفة على معنى المصدر ، كما قال أبو جندب الهذلي : [ الطويل ]
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة * أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري
هذا ؛ ودين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا شرّ فيه قطعا ، ولكن جاء الجواب على حسب قولهم ، واعتقادهم ، فإن اليهود حكموا بأنّ اعتقاد ذلك الدين شرّ ، فقال لهم اللّه : هب أن الأمر كذلك . لكن من لعنه اللّه ، وغضب عليه ، ومسخ صورته شرّ من ذلك .
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
يعني : من اليهود من لعنه اللّه ، وغضب عليه ، ومنهم من جعلهم قردة ، وخنازير . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : إنّ الممسوخين كلاهما أصحاب السّبت ، فشبّانهم مسخوا قردة ، وشيوخهم خنازير ، انظر الآية رقم [ 65 ] من سورة ( البقرة ) وتفصيلها في سورة ( الأعراف ) الآية [ 163 ] وما بعدها . وقيل : إنّ مسخ بعضهم قردة كان في أصحاب السبت من اليهود ، ومسخ بعضهم خنازير كان بعد نزول المائدة في زمن عيسى ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام . ولمّا نزلت الآية الكريمة عيّر المسلمون اليهود ، وقالوا لهم : يا إخوان القردة ، والخنازير ، وافتضحوا بذلك ، فنكّسوا رؤوسهم ، وقال الشاعر : [ الرجز ]
فلعنة اللّه على اليهود * إنّ اليهود إخوة القرود
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
يعني : وجعل منهم من عبد الطاغوت ، يعني من أطاع الشّيطان فيما سوّل له ، والطّاغوت : هو الشّيطان ، وقيل : هو العجل ، وقيل : هو الكهّان ، والأحبار . وجملته : أنّ
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 152 | الشيخ محمد علي طه الدرة