تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 52 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ( 52 ) الشرح :
أُولئِكَ . . .
إلخ : الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة .
لَعَنَهُمُ اللَّهُ :
أبعدهم من رحمته .
وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ :
يطرده من رحمته ، ويبعده من رضوانه .
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً :
مانعا يمنعه من العذاب بشفاعة ، أو غيرها . هذا ؛ و ( تجد ) ماضيه : وجد ، والمضارع أصله : يوجد ، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوّتيها ، وهما : الياء ، والكسرة في مضارع الغائب يجد ، وتحذف من مضارع المتكلم ، والمخاطب قياسا عليه . هذا ؛ وقد أمر اللّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعل اللّعنة على الكاذبين في سورة ( آل عمران ) ولقد كرّر لعن الكافرين في سورة ( البقرة ) وهنا لعن اليهود المعادين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وللإسلام ، كما لعن الظّالمين ، والفاسقين والنّاقضين للعهد في آيات متفرّقة ، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره ، فقد استحقّ اللّعن من اللّه ، والملائكة ، والنّاس أجمعين ، وأمّا الأحياء من الكفّار ؛ فقد قال بعض العلماء : لا يجوز لعن كافر معيّن ؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة ، فلعله يؤمن ، ويموت على الإيمان . وقد قيّد اللّه تعالى في الآية رقم [ 161 ] من سورة ( البقرة ) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر . ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين ، كما في قولك : لعن اللّه الكافرين ، يدل عليه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشّحوم ، فجمّلوها ، وباعوها » . وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار ، بدليل قتاله ، وهو الصّحيح ، كيف لا ؟ ! وقد لعن حسّان بن ثابت - رضي اللّه عنه - أبا سفيان ، وزوجه هندا في شعره ، ولم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، خذ قوله : [ الكامل ]
لعن الإله وزوجها معها * هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق - رضي اللّه عنه - أبا سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبا الأعور السّلمي وغيرهم ، الّذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد ، وقد أعطاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأمان على أن يكلّموه ، فقام معهم جماعة من المنافقين ، وقالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ارفض ذكر آلهتنا بسوء ، وقل : إنّ لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربّك . فشقّ ذلك على سيد الخلق ، وحبيب الحق ، فقال له الفاروق : يا رسول اللّه ! ائذن لي في قتلهم . فقال : « إنّي أعطيتهم الأمان » . فقال الفاروق : اخرجوا في لعنة اللّه ، وغضبه ، ولم ينكر عليه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ، كيف لا ؟ ! وآية ( النّور ) رقم [ 7 ] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين . وأمّا العصاة من المسلمين ؛ فلا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا ، وأمّا على الإطلاق ، فيجوز كما في قولك : لعن اللّه الفاسقين ، والفاسقات . . . إلخ ؛ لما روي : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لعن اللّه السّارق يسرق البيضة ، فتقطع يده » . ولعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الواشمة ،
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 486 | الشيخ محمد علي طه الدرة