تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
والأعمال السّيّئة ليست بدرجة واحدة من الضرّ ، والقبح . هذا والغالب استعمال الدّرجات في العرف لأهل الثواب ، واستعمال الدّركات لأهل النّار ، والعقاب . قال تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ .
واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب :
هُمْ دَرَجاتٌ :
مبتدأ ، وخبر ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها .
عِنْدَ
ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة :
دَرَجاتٌ .
و
عِنْدَ
مضاف ، و
اللَّهِ
مضاف إليه .
وَاللَّهُ بَصِيرٌ . . .
إلخ : انظر إعراب مثلها في الآية رقم [ 153 ] .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 164 ]

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) الشرح :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ :
أحسن إليهم ، وتفضل عليهم ، والمنّة : النعمة العظيمة ، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا من اللّه ؛ لأنه المالك للنّعمة حقيقة ، وغيره من المخلوقين لا يملكها حقيقة ، وإنّما هي وكالة يقوم بها إن أحسن الوكالة .
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يعني : من جنسهم عربيّا مثلهم ، ولد ببلدهم ، ونشأ بينهم ، يعرفون نسبه ، وليس حيّ من أحياء العرب ، إلا له فيهم نسب ، إلا بني تغلب ، فإنهم كانوا نصارى ، وقد ثبتوا على النصرانية ، فطهّر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يكون له فيهم نسب ، وقرئ شاذّا : ( من أنفسهم ) بفتح الفاء . يعني : من أشرفهم ؛ لأنه من بني هاشم ، وبنو هاشم أفضل من قريش ، وقريش أفضل من سائر العرب ، والعرب أفضل من غيرهم . وقيل : أراد بالمؤمنين : جميع المؤمنين ، ومعنى :
مِنْ أَنْفُسِهِمْ :
أنه واحد منهم ، وبشر مثلهم ، وإنما امتاز عنهم بالوحي ، والرّسالة . وهو معنى قوله تعالى في آخر سورة ( التوبة ) :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . .
إلخ وقوله تعالى في سورة ( الجمعة ) :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ . . .
إلخ . وخص المؤمنين بالمنّة ، والذكر ؛ لأنهم المنتفعون به ، والمهتدون بهديه ، فالمنة عليهم أعظم .
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ :
يقرأ عليهم كتابه الذي أنزل عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي السّماوي .
وَيُزَكِّيهِمْ :
ويطهّرهم من دنس الكفر ، ونجاسة المحرمات ، والخبائث ، وسوء الأخلاق ، والطّباع .
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
أي : القرآن ، وهو آيات اللّه المذكورة ، فعلى هذا ؛ فهو بالنسبة لما قبله من اختلاف اللفظ ، واتحاد المعنى .
وَالْحِكْمَةَ :
انظر الآية رقم [ 48 ] .
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ
أي : قبل بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ :
لفي جهالة ، وحيرة عن الهدى عميا صمّا ، لا يعرفون معروفا ، ولا ينكرون منكرا ، فهداهم اللّه بنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم . هذا ؛ و « ضلّ » أكثر ما يستعمل بمعنى : كفر ، وأشرك ، وهو ضدّ : اهتدى ، واستقام . ومصدره : الضّلال كما في هذه الآية ، ويأتي ضل بمعنى : غاب ، كما في قوله تعالى :
وَضَلَّ
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 297 | الشيخ محمد علي طه الدرة