خبر ( أولئك ) هذا ؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف :
الْفاسِقُونَ
خبر ( أولئك ) وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور ، والدّسوقي يقول : لا محل لها ؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد ، وخبر المبتدأ الذي هو ( من ) مختلف فيه ، كما رأيت في الآية رقم [ 61 ] والجملة الاسمية :
فَمَنْ . . .
إلخ مستأنفة لا محل لها .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 83 ]
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 )
الشرح :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ :
قال الكلبي - رحمه اللّه تعالى - : إن كعب بن الأشرف ، وأصحابه اختصموا مع النّصارى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : أينا أحقّ بدين إبراهيم ؟ فقال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلا الفريقين بريء من دينه » . فقالوا : لا نرضى بقضائك ، ولا نأخذ بدينك .
فنزلت الآية الكريمة . والمراد بالاستفهام الإنكار ، والتوبيخ . المعنى : أفبعد أخذ الميثاق عليهم ، ووضوح الدلائل لهم : إنّ دين إبراهيم هو دين اللّه الإسلام ؛ أي : أفغير دين اللّه تطلبون يا معشر اليهود ، والنّصارى ؟ ! .
وَلَهُ أَسْلَمَ
أي : استسلم ، وانقاد ، وخضع ، وذلّ ، وكلّ مخلوق فهو منقاد ، ومستسلم للّه ؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه . قال قتادة - رحمه اللّه تعالى - : أسلم المؤمن طوعا . والكافر عند موته كرها ، ولا ينفعه ذلك لقوله تعالى في آخر سورة ( غافر ) :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا .
مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ :
فيه تغليب العاقل على غيره ، كما غلب غير العاقل على العاقل في غير ما موضع ، مثل قوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . *
طَوْعاً وَكَرْهاً :
الطّوع : الانقياد ، والاتّباع بسهولة ، والكره : ما كان بمشقّة ، وإباء من النفس . وأحسن ما قيل في تفسيرها : إنّه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على اللّه في مراده ، فأما المسلم ؛ فينقاد للّه فيما أمره ، أو نهاه عنه طوعا ، وأما الكافر ، والفاجر ؛ فينقاد للّه كرها في جميع ما يقضي عليه ، ولا يمكنه دفع قضائه ، وقدره ، وخذ قوله تعالى في سورة ( الرّعد ) :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ .
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
أي : يرجع الخلق كلهم إلى اللّه يوم القيامة . ففيه وعيد عظيم ، وتهديد شديد لمن خرج عن طاعته ، وخالف أمره في الدنيا . هذا ؛ وتقرأ الأفعال بالتاء ، والياء . هذا ؛ وبين
طَوْعاً
و (
كَرْهاً
) طباق ، وهو من المحسّنات البديعيّة .
( غير ) : اسم شديد الإبهام ك « مثل » لا يتعرّف بالإضافة لمعرفة ، وغيرها ، ولا تدخل عليه ( أل ) وهو ملازم للإضافة ، ويجوز أن يقطع عنها ؛ إن فهم المعنى ، أو تقدّمت عليها كلمة