فداء » ، فاختار زيد صحبة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم على صحبتهما وقومه ، وآثر أن يكون رقيقا مع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، على أن يكون حرا مع غيره حتى لو كان هذا الغير هم قومه وأهله ، فقام النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لتوه وقال : « يا معشر قريش ! اشهدوا أنه - أي زيد - ابني يرثني وأرثه » وطاف على الناس يشهدهم على ذلك ، فرضى عمه وأبوه وانصرفا . وكان ذلك قبل المبعث ، وقيل إن أباه ظل يبحث عن ابنه ويدور بالشام ينادى :
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل * أحييّ فيرجى أم أتى دونه الأجل ؟
فأخبروه أنه بمكة ، فجاء إليه وحدث ما حدث . وفي زيد نزلت الآية :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً
( 37 ) ( الأحزاب ) ، أدعيائهم ، فكأن السبب في تزويج النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من زينب امرأة زيد بعد أن طلقها زيد ، هو أن لا يكون على المؤمنين حرج إذا تزوّجوا من مطلقات أدعيائهم ، وقبل ذلك نفى اللّه تعالى أن يكون الدعي ابنا على الحقيقة ، فمطلقات الأبناء من الصّلب هن فقط المحرّمات على الآباء .
وقتل زيد في مؤتة من أرض الشام سنة ثمان هجرية ، وكان النبىّ قد أمّره على تلك الغزاة ، وقال : « إن قتل زيد ، فجعفر - يعنى تكون الإمارة لجعفر ، فإن قتل جعفر فعبد اللّه بن رواحة » ، فقتل الثلاثة في تلك الغزاة .
ويقول اللّه تعالى في الأدعياء :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 5 ) ( الأحزاب ) . وفي ذلك قال ابن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا « زيد بن محمد » ، وقوله هذا دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام ، ويتوارث به ، ويتناصر ، إلى أن نسخ اللّه تعالى ذلك بقوله :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
( الأحزاب 5 ) ، فجعل من العدل أن يدعى الابن بالتبني لأبيه الحقيقي ، أي أبيه نسبا .
ولم تنسخ الآية التبنّى وإنما نسخت أن يدعى الولد بغير اسم أبيه الحقيقي ، كما نسخت كل ما كان يترتب على اعتباره ابنا على الحقيقة ، فإن لم يكن معروف الأب ، فالآية تقول ينسب إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف ، فيعامل معاملة الأخ في الدين ، واللّه يقول :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
( 10 ) ( الحجرات ) . وكان العرب قبل ذلك يعاملون أبناء التبني معاملة الأبناء من كل وجه ، كالخلوة بالمحارم وغير ذلك ، فلما نسخت هذه المعاملة أبيحت زوجة الدعي ، وتزوج الرسول صلى اللّه عليه وسلم مطلقة زيد . وفي آية التحريم شرطه بقوله :
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ
( 23 ) ( النساء ) احترازا عن زوجة الدعي فإنه ليس من الصلب ، فأما دعوة الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب فليس مما نهى عنه ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يقول لأنس بن مالك : « يا بنىّ » ، وقال لأولاد بنى عبد المطلب : « يا بنىّ » ، وعلى ذلك فإن