تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 958

مساهمون:

ص٩٥٨
على يوسف ، وكان كثير البكاء ولم ينسه أبدا ، وكلما رأى أولاده كظم حزنه ، حتى رقّ له أولاده بعد أن هرم وبلغ من الكبر عتيا ، وخافوا عليه الهلاك والتلف ، وما شكا لهم حاله ، وإنما توجّه بشكايته إلى اللّه ، يبثه حزنه ، ويزيده الإيمان قناعة بأن اللّه لا يمكن إلا أن يجمعه يوما بابنه ، وأن يعود إليه الغائب ، قال :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 86 ) ( يوسف ) ، يعلم عنه الإحسان وخير الجزاء ، وهل جزاء الإحسان عند اللّه إلا الإحسان ، وللذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، والزيادة أن يعود إليه ولده ويجتمع الشتيتان . وإنه لشئ يدمى القلب أن يقول يوسف لإخوته بعد كل هذا الدمار الذي ألحقوه بنفسه :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
( 92 ) ( يوسف ) ، ثم يعطيهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ، ليشفى من العمى الذي أصابه من كثرة البكاء عليه ، فلمّا كان قميصه الذي رآه ملطخا بالدم ، بزعم أن الذئب أكله ، هو الذي أبكاه ، فظل يبكى حتى ابيضّت عيناه ، فإن قميصه أيضا هو الذي سيبهجه ويعيد إليه بصره ، وذلك دليل على أن عمى يعقوب كان هو « العمى النفسي »
psychic blindness
وليس « العمى العضوي »
organic blindness
، والعمى النفسي هو العمى الذي يتحصّل نتيجة الصدمات النفسية ، ويشفى صاحبه بصدمة نفسية مماثلة نقيض الأولى ، وعلم يوسف بهذا « العلاج النفسي » من علم النبوّة ، وقول يعقوب :
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ
( 94 ) ( يوسف ) هو أيضا من بركات وحدس النبوّة ، وكانت ليعقوب فراسة وحدس الأنبياء لمّا قال لأولاده :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
( يوسف ) ، ثم كانت بركات النبوّة أن يتشمم وحده دون غيره رائحة ابنه في قميصه فكأنه استروح الجنة ، وما كان ذلك عن فند - وهو جنون كبار السن ، وإنما كان محبة يعقوب ليوسف ، ومحبة يوسف لأبيه يعقوب ، ذرية طيبة بعضها من بعض ، أولئك الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين . * * *

798 . نهاية قصة يوسف في التوراة وفي القرآن

في قصة التوراة أن يوسف ذهب ليلاقى أباه عند مقدمه إلى جاسان ، فلما ظهر له ألقى بنفسه على عنقه ، يقول : دعني أموت الآن بعد ما رأيت وجهك لأنك بعد باق ( التكوين 46 / 29 - 30 ) ، فاللقاء درامى عنيف وفيه البكاء والأحضان والكلمات الطيبة الرقيقة . وفي قصة القرآن :
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ( 99 ) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي