تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 957

مساهمون:

ص٩٥٧
ذلك لأنهم اعتبروه قد سرق منهم محبة أبيهم لهم ، واستحوذ على أبيهم دونهم ؛ وقيل كان يوسف إذا جلس على المائدة ليأكل مع إخوته لا يجد ما يشبعه ، لكثرتهم وقوتهم ، ولضعفه وصغر سنه ، فكان يحتال ليفوز لنفسه ببعض الطعام ، فكانوا يضبطونه ويعيّرونه به . ومن أجل ذلك قالوا : إن أخاه يقتدى به ويسلك على نهجه . * * *

797 . الحب المتبادل بين يعقوب ويوسف

قصة يوسف من أحسن قصص القرآن كما قال تعالى :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
( يوسف 3 ) ، والقصة في جزء منها تحكى عن حبّ يعقوب لابنه يوسف ، وحبّ الابن لأبيه ، وفي الجزء الآخر تبرز القصة انتصار الفضيلة عند شاب مثل يوسف في مقتبل عمره ، كان قد عزف عن الرذيلة ، واستمسك بالدين ، واعتصم بالإيمان . وفي القصة يتناجى الولد مع أبيه :
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ
( يوسف 4 ) ، فيقول الأب :
يا بُنَيَّ *
ولا يمل الأب تعليم ابنه في كل المواقف ، ويتعهده بالتربية ، فلمثل ذلك يكون الآباء ، يقول يعقوب ليوسف :
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ
( يوسف 6 ) ، يذكّره بأجداده ، وبالرسالة التي كلّفوا بها ويرثها عنهم ، والإيمان وما يعود عليه من الخير والنّعم والعلم . وقيل إن محبة يعقوب ليوسف لأنه كان ابن الزوجة الجميلة الأثيرة عند زوجها ، وقيل لأنه بكر أولاده منها ، وإنما السبب الحقيقي أن يوسف كان وريث بيت النبوّة ، وآل إليه أمر الدعوة ، وكان ما ينفك يدعو إلى اللّه ، فدعا إليه « العزيز وامرأته » ، ورئيس السجن ، وزميليه فيه ، ثم الفرعون وآله ، فلما جاء موسى من بعد ، ودعا فرعون ، كان من بين بلاطه رجل من آله يؤمن باللّه قال :
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا
( غافر 34 ) ، يعنى أن دعوة يوسف كانت ما تزال آثارها باقية كل هذه السنوات ، فلذلك أحب يعقوب ابنه يوسف ، لأنه كان الحريص على الدعوة ، والحفيظ عليها ، والقائم بها ، وهذه الوشيجة الروحية بين يعقوب وابنه يوسف هي التي صرفت عن يوسف خواطر السوء والفحشاء في « مشهد الغواية » ، واصطلح عليها القرآن باسم « برهان ربّه » ، أي البرهان على أن اللّه كان مع يوسف ، وأنه تعالى لا ينسى أولياءه ، فكذلك مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ، وأصابته رحمة اللّه ، ولم يضع أجره وجعله من المحسنين ، ورفعه درجات ، وفوق كل ذي علم عليم ، ولمّا كاد يعقوب ييأس ، لم ينجه من اليأس غير إيمانه وصبره « الصّبر الجميل » ، وتأسّف يعقوب